أدب الخصام.. شرف الخصومة ونبلاء الاختلاف

بقلم د. ولاء عابد

في رحلة الحياة والعمل تعد النزاعات والاختلافات أمرا حتميا لا مفر منه فاختلاف التنشئة والمشارب الفكرية والتقديرات الإدارية تجعل التباين في الآراء حقيقة إنسانية ومؤسسية راسخة. 


غير أن المحك الحقيقي لنضج الشخصية وأصالة المعدن لا يكمن في كيفية "التوافق" حين تصفو الأيام وتتلاقى المصالح بل يتجلى في "أدب الخصام" وحفظ المروءة لحظة التقاطع والتضاد.


إن أدب الخصام ليس سلوكا شكليا أو ادعاء للمثالية بل هو ممارسة أخلاقية رفيعة ترتكز على الفصل التام بين "موضوع الخلاف" و"كرامة الإنسان". 


فالنفوس الشريفة هي التي إذا اختلفت لم تفجر وإذا تخاصمت لم تجرح وإذا نأت أبقت للود مساحة للعودة أو على الأقل احتراما لعهود مضت.


وقد حذرت الشريعة الإسلامية الخالدة من الهبوط الأخلاقي أوقات الخصومة وجعلت الفجور في الخصام واستغلال أسرار الآخرين للنيل منهم علامة من أشد علامات اعتلال الطبع ونفاق القلوب حيث يقول الرسول الكريم ﷺ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا... وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (رواه البخاري). 


وفي مقابل ذلك ترسخ تعاليم السيد المسيح في الكتاب المقدس أدبا رفيعا يتسامى فوق الشحناء ويدعو إلى حفظ السلام النفسي وصيانة الروابط الإنسانية فيوصي قائلا: «إِنْ كَانَ مُسْتَطَاعًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ» (رومية 12: 18) ليؤكد أن النبل الحقيقي هو ألا تدع الخلاف يحولك إلى إنسان قاسي القلب أو معتد.


وعلى الصعيد المؤسسي والتنظيمي يمثل الخلاف المهني الصحي محركا أساسيا للابتكار وتجويد القرارات ما دام يدار بشرف ونزاهة وشفافية. 


لكن الخطر الأكبر يبدأ حين يتحول الاختلاف في وجهات النظر حول آليات العمل إلى صراعات شخصية ضيقة واستقطابات مجهدة وتصفية حسابات تهدم بيئة العمل وتستنزف رأس المال البشري. 


إن القيادة الرشيدة والشخصية النبيلة هي التي تدير الخلاف داخل الأطر المهنية الذكية وتلتزم بأخلاقيات الحوار دون إساءة أو تجاوز فتصنع بيئة آمنة حتى أوقات إعادة التقييم والاختلاف.


علاوة على ذلك فإن الشرف في الخصومة يحمي الفرد من مرارة الندم وويلات السقوط الأخلاقي فالأيام تدور والمواقف تتغير وقد نلتقي يوما بمن اختلفنا معه الأمس في مساحة عمل أو ظروف حياتية جديدة. 


وحين نحافظ على النبل ونستبقي "شعرة معاوية" في أوقات الجفاف الإنساني فإننا نحمي ذواتنا قبل غيرنا ونحافظ على ناصية أخلاقنا ناصعة لم تتلوث بسبق الإصرار على الإيذاء أو هتك الأستار.


أن نختلف بشرف يعني أن نكون كبارا في مواقفنا قادرين على صيانة العهود والحدود حتى في لحظات الفراق أو التباين. 


إن أجمل ما يتركه المرء في نفوس الآخرين ليس فقط مواقف وفائه في وصاله وصفائه بل أثر نبله وشهامته وترفعه حين يختلف.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية