حين تنتصر الإنسانية على الحواجز: مجتمع يرى الإنسان قبل الإعاقة


كتبت /ا. د. ناهدة محمد ذيب عمران

ليست الإعاقة هي الحاجز الأكبر أمام الإنسان، وإنما الحواجز التي يصنعها المجتمع حين ينظر إلى الشخص ذي الإعاقة من خلال إعاقته، بدل أن يراه إنسانًا كامل الكرامة والحقوق والقدرات.

إن التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة لا ينبغي أن يقوم على الشفقة، فالشفقة قد تمنح لحظة تعاطف، لكنها لا تصنع مستقبلًا. ما يحتاجه الإنسان هو الاحترام، والقبول، والتمكين، وتكافؤ الفرص.

فالدمج الحقيقي لا يعني مجرد وجود الأشخاص ذوي الإعاقة في المدارس أو الجامعات أو أماكن العمل، وإنما يعني أن يكون لهم حضور فاعل، وصوت مسموع، وفرصة حقيقية للتعلم والعمل والإبداع واتخاذ القرار. فالعدالة ليست أن نقدم للجميع الشيء نفسه، بل أن نهيئ لكل إنسان ما يحتاج إليه حتى يتمكن من المشاركة بكرامة واستقلالية.

وتبقى الأسرة نقطة البداية في بناء الثقة؛ فالطفل الذي ينشأ في بيئة تؤمن بقدراته وتمنحه فرصة المحاولة والاستقلال، يكون أكثر قدرة على مواجهة الحياة. أما الإفراط في الحماية، رغم حسن النية، فقد يتحول إلى قيد يمنع الإنسان من اكتشاف إمكاناته.

كما تتحمل المدرسة مسؤولية أساسية في صناعة ثقافة الدمج. فالمدرسة التي تعلّم الأطفال احترام الاختلاف والتعاون وقبول الآخر، لا تبني طالبًا ناجحًا فحسب، بل تبني مجتمعًا أكثر إنسانية. ومن هنا تأتي أهمية البيئة التعليمية المهيأة، والمعلم المؤهل، والمناهج المرنة، والتقنيات المساعدة التي تفتح أبواب التعلم أمام الجميع.

وفي عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تتسع فرص التمكين أكثر من أي وقت مضى، لكن التكنولوجيا لا تصبح إنسانية لمجرد أنها متقدمة؛ بل عندما تُصمم لتكون متاحة وقابلة للاستخدام من الجميع، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة.

إننا بحاجة إلى الانتقال من ثقافة "مساعدة ذوي الإعاقة" إلى ثقافة "تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة"، ومن النظر إليهم بوصفهم متلقين للرعاية إلى اعتبارهم شركاء في بناء المجتمع وصناعة المعرفة والإبداع.

فالإنسانية لا تُقاس بما نقوله عن العدالة والرحمة، وإنما بما نفعله مع الإنسان المختلف عنا.

وحين نرفض التنمر، ونزيل الحواجز، ونوفر فرص التعليم والعمل، ونستمع إلى الأشخاص ذوي الإعاقة بدل أن نتحدث نيابة عنهم، فإننا لا نقدم لهم معروفًا؛ بل نمارس حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان.

وفي النهاية، لا نحتاج إلى عالم يطلب من الأشخاص ذوي الإعاقة أن يتكيفوا وحدهم مع حواجز صنعها المجتمع، بل نحتاج إلى عالم يتسع للجميع.

فحين نرى الإنسان قبل الإعاقة، والقدرة قبل العجز، والحق قبل الشفقة، نكون قد بدأنا فعلًا في بناء مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية...



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية