رئة تُخنق ببطء: مصر بين ذاكرة الظل ومنطق المزاد


كتبت /د. رضا عادل فاضل. 

حين تسقط شجرة معمرة كانت تُظلل شارعا لعقود، فإن الساقط معها ليس مجرد جذع خشبي، بل طبقة من الذاكرة الجمعية نسجتها أجيال متعاقبة، ولذلك فإن ما يُوصف اليوم في مصر بـمذبحة الأشجار يستحق أن يُقرأ لا بوصفه حادثة تخطيط عمراني عابرة، بل بوصفه مؤشرا على صدام بين منظومتين للقيمة، الأولى ترى في الشجرة العتيقة أثرا حضاريا يوازي أي نصب أو مبنى تراثي، والثانية ترى فيها عائقا أمام حركة الأسمنت والإسفلت، أو في أحسن الأحوال سلعة قابلة للبيع في مزاد علني.

فقد شهدت الأسابيع الأخيرة جدلا واسعا حول إزالة أشجار شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين، وهو الشارع الذي يقصده المصريون والأجانب معا للترفيه والتنزه، حتى وصفه بعض رواد التواصل الاجتماعي بأنه تعرض لـمذبحة تستهدف الشارع العتيق الملقب بـ"شانزلزيه الجيزة"، ولم يكن هذا الحادث الأول من نوعه، إذ سبقته عمليات مشابهة شملت قطع أشجار معمرة بشارع النيل بالمعادي بحجة التوسعة، وإزالة أجزاء واسعة من أشجار حديقة الحيوان بالجيزة ضمن خطة تطوير نُفذت بين عامي 2023 و2024، كما تناقلت تقارير أواخر عام 2024 تسريبات عن مخططات تستهدف حديقة الزهرية التاريخية بالزمالك، وهي حديقة تأسست عام 1868 وتضم أشجارًا نادرة، وسط مخاوف من تحويل جزء منها إلى منشآت خرسانية كفندق ومطاعم.  

وفي مواجهة هذا الجدل، قدمت جهات حكومية عدة تبريراتها، فوزارة الموارد المائية والري أوضحت في ردها على شكوى قانونية بشأن قطع وبيع عشرات من أشجار الكافور على أحد الجسور المشتركة في الغربية أن العملية جاءت في إطار مشروع لتوسعة الطريق، وأنها مرت بمراحل معاينة ولجان فنية قبل اعتماد القرار، فيما ذهب مصدر برلماني إلى أن الحكومة كثيرا ما تستند في تبريراتها إلى دخول مصر مرحلة الفقر المائي، باعتبار أن الأشجار تستهلك كميات كبيرة من المياه، وفي حالات أخرى ارتبط التبرير بخطر سقوط الأشجار على المارة، وهو ما دفع أحد المسؤولين إلى تبرير إزالة أكثر من مئة شجرة معمرة على طريق مؤدٍ إلى الأقصر بالخشية من سقوطها على السائحين الأجانب، في تبرير أثار من الغضب أكثر مما هدأ منه.

وتتعمق المفارقة حين توضع هذه العمليات إلى جانب مبادرة "100 مليون شجرة" التي أعلنتها وزارتا التنمية المحلية والبيئة، والتي أنجزت مرحلتها الرابعة بتوريد مئة ألف شجرة إلى ست عشرة محافظة، وامتدت أعمالها إلى تشجير الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى، فبينما تُستبدل الأشجار المعمرة التي راكمت عقودا من النمو والظل بشتلات وليدة تحتاج سنوات طويلة كي تنضج، يبدو المشهد استبدالا رمزيا أكثر منه تعويضا فعليا، وهذا ما يفسر استمرار الغضب الشعبي رغم الأرقام الرسمية عن أعداد الأشجار الجديدة. 

أما حين يتعلق السؤال بمن يستفيد من كل هذا الاستئصال، فإن التحقيقات الصحفية تكشف بعدا اقتصاديا لا يقل أهمية عن التبريرات الهندسية، إذ تُطرح آلاف الأشجار المقطوعة للبيع في مزادات علنية تنظمها المحافظات والوحدات المحلية ذاتها التي تتولى القطع، وتشكل هذه المزادات مصدر ربح مهما للجهات المحلية، ويقبل عليها بشكل خاص أصحاب مصانع الفحم والأخشاب، فضلا عن بيع أوراق الشجر كوقود لمصانع الأسمنت، ويشير مصدر مطلع إلى وجود فجوة بين هيئات النظافة والتجميل التي تنفذ القطع فعليا ووزارة البيئة التي من المفترض أن تضع الاشتراطات قبل الإزالة، وهي فجوة يصفها بأنها بوابة للفساد في كثير من الأحيان، إذ تشتري بعض المصانع الأخشاب بأسعار زهيدة دون طرحها في مزادات شفافة. 

ولم يمر هذا الجدل دون استجابة رسمية جزئية، فقد عقدت وزيرة التنمية المحلية والبيئة اجتماعا مع محافظ الجيزة عقب أزمة شارع جامعة الدول العربية، شددت خلاله على ضرورة حصر ما قُطع من أشجار والوقوف على أسباب اللجوء إلى الإزالة بدلا من خيار النقل، كما تقدم محامون متخصصون في القضايا البيئية بشكاوى رسمية تطالب بوقف بعض المزادات وفتح تحقيقات حول مدى التزام الجهات المنفذة بالإجراءات القانونية، غير أن هذه الاستجابات ظلت في الغالب لاحقة على الفعل لا سابقة له، وهو ما يجعل الحديث عن منظومة رقابية استباقية تزن القيمة البيئية والجمالية للشجرة قبل قطعها أمرا بعيد المنال حتى الآن.

وفي نهاية المطاف، فإن ما يجري ليس نزاعا فنيا حول أفضل السبل لتوسعة طريق أو تطوير رصيف، بل اختبار حقيقي لمنظومة القيم التي تحكم علاقة مجتمع بمكانه وتاريخه، ذلك أن الشجرة العتيقة التي زُرعت قبل عقود لم تعد مجرد كائن نباتي، بل شاهدا حيا على حقبة كاملة من الذوق والعمارة والحياة اليومية، وحين تُستبدل بمعادلة قصيرة الأجل تقيس الأرض بالمتر المربع والخشب بالجنيه، فإن الخسارة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأشجار المقطوعة فحسب، بل بمقدار ما يفقده المجتمع من قدرته على أن يرى في محيطه أكثر من مجرد مساحة قابلة للاستثمار، وهذا هو جوهر السؤال الذي تطرحه "مذبحة الأشجار" في مصر اليوم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية