الطلاق بين الأجيال.. وجع لا يراه أحد


الكاتبة والصحفية كارولين كمال

أحيانًا وأنا ببص على نسب الطلاق بين الأجيال، بحس إن الأرقام دي مش مجرد أرقام مكتوبة في تقرير، دي ورا كل رقم بيت اتقفل، ورا كل بيت أم نامت وهي بتخبي دموعها، وأب مش عارف يبدأ حياته من جديد، وطفل بقى يسأل نفسه هو أنا ذنبي إيه؟ زمان كانوا بيقولوا إن الجواز عشرة وعمر، وإن الإنسان يستحمل علشان بيته وولاده، فكان فيه بيوت كتير بتكمل، لكن محدش كان يعرف حجم الوجع اللي كان مستخبي جوه البيوت دي. أجيال كاملة عاشت تحت سقف واحد، لكن قلوبها كانت بعيدة عن بعض، وناس فضلت متجوزة سنين طويلة لمجرد الخوف من كلام الناس، أو علشان الأولاد، أو علشان كلمة "مطلقة" كانت وقتها تقيلة جدًا على الست. وفي الجيل الجديد، بقى الطلاق أسرع، والقرار أحيانًا بييجي بعد مشاكل قليلة، لكن برضه محدش يعرف كمية الوجع اللي وصل الإنسان للحظة دي. يمكن زمان كانوا بيخافوا من الطلاق، ودلوقتي بقينا نخاف من الاستمرار في حياة مفيهاش أمان ولا راحة ولا احترام. وبين زمان ودلوقتي ضاعت حاجات كتير؛ ضاعت القدرة على التحمل، وضاع معها أحيانًا معنى الاحتواء، وبقينا في زمن كل واحد فيه شايل وجعه لوحده. أصعب حاجة في الطلاق مش ورقة بتتكتب، ولا بيت بيتقسم، ولا اسم بيتغير، أصعب حاجة هي الإنسان اللي بيخرج من التجربة وهو مش نفس الإنسان اللي دخلها. واحدة كانت داخلة الجواز وهي بتحلم ببيت وأمان، خرجت وهي بتخاف تثق في أي حد. واحد كان فاكر إنه هيبني أسرة، خرج وهو مش فاهم إمتى الحلم اتحول إلى وجع. وأطفال ملهمش أي ذنب، أصبحوا يعيشوا بين بيتين، وكل واحد فيهم جواه سؤال كبير مش عارف يسأله. إحنا بنتكلم كتير عن نسب الطلاق، لكن قليل جدًا اللي بيتكلم عن نسب القلوب اللي اتكسرت بعدها، عن ناس فقدت ثقتها في نفسها، وعن أشخاص أصبحوا يخافون من بداية جديدة بسبب تجربة قديمة لم تنتهِ آثارها بانتهاء الزواج. الطلاق مش دايمًا معناه إن حد وحش وحد مظلوم، ومش كل بيت انتهى كان ممكن يكمل، لكن المؤلم إن أحيانًا الناس بتتجوز وهي مش مستعدة لمعنى الزواج، وبعدين تدفع ثمن عدم الاستعداد سنين من عمرها. الجواز مش حفلة، ومش صورة، ومش كلام حلو في البداية، الجواز مسؤولية ورحمة وصبر واحترام، ولما الحاجات دي تختفي، بيبدأ البيت يموت بالتدريج حتى لو لسه واقف على رجليه. يمكن زمان كانوا بيكملوا أكتر، ويمكن دلوقتي بينفصلوا أكتر، لكن الحقيقة الأهم إن كل جيل له وجعه، وكل بيت له حكاية محدش يعرفها كاملة. علشان كده قبل ما نحكم على مطلق أو مطلقة، لازم نفتكر إننا مش عارفين إيه اللي حصل خلف الأبواب المقفولة، ومش عارفين الشخص ده خسر إيه علشان يوصل للقرار ده. أحيانًا الإنسان لا يختار الطلاق لأنه لا يحب، لكنه يختاره لأنه تعب من الوجع، وأحيانًا يكون الاستمرار هو الوجع الأكبر. وفي النهاية، أكتر حاجة حزينة في حكاية الطلاق إن ناس كتير بتخرج من الزواج وهي لسه عايشة، لكن جزء كبير منها يكون مات من كتر الخذلان. مش كل بيت استمر كان سعيد، ومش كل بيت انتهى كان فاشل.. بعض الحكايات انتهت لأن أصحابها لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية