أين نحن الآن من الوعي الجمعي العربي؟
كتب / مجاهد عابدين
باحث في الوعي الجمعي العربي
ما الذي نقصده بالوعي الجمعي؟
الوعي الجمعي ليس مجموع آراء الأفراد، بل هو البنية العميقة غير المرئية التي تحكم تفكيرهم وسلوكهم. إنه منظومة من المسلمات والقيم والتصورات التي تشكلت عبر التاريخ، وانتقلت عبر التنشئة والتعليم والإعلام، حتى أصبحت تبدو وكأنها من البديهيات.
حين يمتنع الفرد عن المبادرة خشية كلام الناس، أو حين يقدّم الشهادة على المهارة، أو حين يتعامل مع الحفظ كغاية للتعلم، فهو لا يتصرف كفرد مستقل، بل يتحرك وفق برنامج جمعي مستقر.
كيف ب تشكّل هذا الوعي؟ هناك أربعة روافد كبرى :
أولاً: السلطة والخوف التاريخي
أربعة قرون من المركزية العثمانية، أعقبها قرن من الاستعمار المباشر، رسخت في اللاوعي العربي معادلة مفادها أن السلطة قدر لا يُساءل، وأن النجاة في التكيف لا في التغيير. نشأ عن ذلك نمط من التدين الشكلي للسلطة، والاقتصار على هامش المبادرة الفردية تحت شعار "السلامة في الحياد".
ثانياً: التلقين المعرفي
قام النظام التعليمي في أغلبه على التلقي والحفظ والاسترجاع، لا على السؤال والنقد والتحليل. فتم تجريم السؤال واعتباره تشكيكاً، وتكريم الإجابة النموذجية ولو كانت بلا فهم. والنتيجة جيل يحسن ترديد المعلومة، ويتردد في مساءلتها. بينما تشير كل تجارب النهضة إلى أن سؤال "لماذا" هو نقطة الانطلاق.
ثالثاً: الحقيقة الواحدة
لفترة طويلة، احتكرت الدولة والمنبر التقليدي مصادر المعرفة. لم يتدرب العقل العربي على تعدد الروايات وإدارة الاختلاف. فترسخ تفكير ثنائي حدي: أبيض أو أسود، مؤمن أو خائن، معنا أو ضدنا. وهذا التفكير هو البيئة الخصبة للتعصب وسرعة الانقسام.
رابعاً: الهروب إلى الماضي
عندما يصبح الحاضر مرهقاً والمستقبل ضبابياً، يصبح الماضي ملاذاً آمناً. تحول الاعتزاز بالتاريخ من محفز للعمل إلى مخدر للرضا. نعيش على رصيد حضاري صنعه الأجداد، بدلاً من أن نسأل: ماذا سنضيف نحن إلى هذا الرصيد؟
وبالنهايه نحن لسنا متخلفين، بل مرتبكون
الشخصية العربية اليوم تحمل مفارقات عميقة: تدين عميق وقيم كرم وتكافل استثنائية، يقابلها أزمة ثقة بين الأفراد، وصعوبة في العمل المؤسسي الجماعي. كرم في البذل المادي، وشح في تبادل المعلومة والفرصة. نزعة فردية قوية للنجاة، وضعف في بناء منظومة نجاح جماعي.
المشكلة إذن ليست في الجوهر الإنساني، بل في نظام التشغيل. البرنامج قديم، والواقع تغير.
وهنا يبرز سؤال سيكون محور المقال القادم، وهو سؤال محوري ؛
إذا كان هذا الوعي قد تبرمج فينا دون وعي منا، فهل يمكن إعادة برمجته بوعي وإرادة؟
التجارب الإنسانية تقول نعم. وهذا ما سنفصّله تباعاً بإذن الله .

تعليقات
إرسال تعليق