في مهبِّ العواصِفِ الكُبرى.. كَيفَ تُنسَجُ حِكمَةُ القَرارِ وتُصانُ سِيادَةُ التّاريخ؟
متابعة وتحليل /منى منصور السيد
تَقِفُ العَيْنُ البَصِيرَةُ بالمَسارَاتِ الجِيُوسياسِيّةِ المُتَسارِعَةِ أَمامَ لحْظَةٍ تَحْلِيلِيّةٍ فارِقَةٍ، حِينَ تَتَأمَّلُ عُمْقَ وأَبْعادَ آخِرِ تصْرِيحاتِ مَعالِي اللِّواءِ سامِي مَحمُود دُنْيا؛ تِلْكَ التصْرِيحاتِ التِي لمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ رَأْيٍ عابِرٍ أوْ تَعْقِيبٍ سَطْحِيٍّ عَلَى إِيقاعِ الأَحْداثِ المَائِرَةِ، بَلْ جاءَتْ بمَثابَةِ وثِيقَةٍ استْراتِيجِيّةٍ شَامِلَةٍ تَسْبُرُ غَوْرَ التَّوازُناتِ المَعْقُودَةِ، وتَشْرَحُ بِلُغَةٍ حاسِمَةٍ كَيْفَ تُدِيرُ الدَّوْلَةُ المِصْرِيّةُ بَوصَلَتَها فِي زَمَنِ الاسْتِقْطابِ الدَّولِيِّ الحادِّ. إِنَّ الحَدِيثَ الذِي طَرَحَهُ اللِّواءُ سامِي دُنْيا يُلْقِي الضَّوْءَ عَلَى عَقِيدَةٍ سِياسِيّةٍ ثابِتَةٍ تَجْعَلُ مِنَ المَصْلَحَةِ المِصْرِيّةِ العُلْيا القُطْبَ الحَقِيقِيَّ الذِي تَدُورُ حَوْلَهُ كُلُّ التَّحَرُّكاتِ، حيثُ لا مَكانَ لارْتِهانِ القَرارِ الوَطَنِيِّ لِمِحْوَرٍ دُونَ آخَرَ، ولا مَجالَ لِقَبُولِ الإِمْلاءاتِ مَهْما تَعاطَتِ المَطابِخُ الدَّولِيّةُ مَعَ سِينارِيُوهاتِ الضَّغْطِ والتَّوْجِيهِ.
وتَتَبَدَّى جَسارَةُ هَذا الطَّرْحِ حينَ يَغُوصُ فِي كُنْهِ الشَّراكَةِ المِصْرِيّةِ الصِّينِيّةِ، مُؤَكِّدًا أنَّ المَسَأَلَةَ قَدْ تَجاوَزَتْ بالْكِلمَةِ والفِعْلِ حُدُودَ التَّبادُلِ التِّجارِيِّ التَّقْلِيدِيِّ أَوْ جَلْبِ الاسْتِثْماراتِ العابِرَةِ. إنَّ الرُّؤْيَةَ التِي قَدَّمَها اللِّواءُ سامِي دُنْيا تُكْشِفُ عَنْ خَرِيطَةٍ جَدِيدَةٍ تَمْتَدُّ إلَى أَعْماقِ التَّكْنُولُوجْيا الحَيَوِيّةِ، والبُنَى التَّحْتِيّةِ الرَّقْمِيّةِ، ومَراكِزِ البَياناتِ، والذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ، ونَقْلِ المَعْرِفَةِ الصِّناعِيّةِ المُتَقَدِّمَةِ. وهُنا بالذَّاتِ تَتَجَسَّدُ بَؤَرَةُ القَلَقِ فِي الدَّوائِرِ الغَرْبِيّةِ والإِسْرائِيلِيّةِ؛ إذْ إنَّ نُمُوَّ القُدُراتِ الذاتِيّةِ لمِصْرَ فِي هذِهِ المَجالاتِ الحَسَّاسَةِ لا يُدْرَكُ كرَقْمٍ اقتصِادِيٍّ مُجَرَّدٍ، بَلْ كوَقائِعَ تُوَسِّعُ مَساحاتِ الاستِقْلالِ الاستْراتِيجِيِّ وتَمْنَحُ القاهِرَةَ خِياراتٍ أَوْسَعَ لِحِمايَةِ أَمْنِها القَوْمِيِّ. غيرَ أَنَّ التَّحْلِيلَ الحَصِيفَ يتَوَقَّفُ مليًّا لِيُمَيِّزَ بَيْنَ الهَواجِسِ السيَاسِيّةِ الغَرْبِيّةِ وبَيْنَ المَعْطَياتِ اليَقِينِيّةِ، فليسَ كُلُّ انْفِتاحٍ تِكْنُولُوجِيٍّ أوْ مَشْرُوعٍ دانِمِيكِيٍّ معَ بَكِين يَعْنِي تحَوُّلًا أَيْدِيُولُوجِيًّا كامِلًا أَوْ صَفْقَةً سِرِّيّةً تُغَيِّرُ مَلامِحَ التحَالُفاتِ التَّارِيخِيّةِ.
وفِي هذَا المَسارِ الفِكْرِيِّ المتَدَفِّقِ، يَأْخُذُنا النَّصُّ إلى بُعْدٍ آخَرَ بالِغِ العُمْقِ يرْتَبِطُ بالدِّبْلُوماسيّةِ الحَضارِيّةِ والتَّارِيخِيّةِ التِي تجَلَّتْ فِي رَسائِلِ الرَّئِيسِ الصِّينِيِّ "شِي جِين بِينْغ". لَقَدْ بَيَّنَ اللِّواءُ سامِي مَحمُود دُنْيا كَيْفَ استَحْضَرَ الخِطابُ الصِّينِيُّ العُمْقَ المَمْتَدَّ لحَضارَتَيِ النِّيلِ واليانِغْتِسِي، وربَطَ بَيْنَهُما بعُرًى لا تفْصِمُها أَهْواءُ السِّياسَةِ المَوِيجَةِ. إنَّ الحَدِيثَ عَنْ حَضارَتَيْنِ ضارِبَتَيْنِ فِي جُذُورِ التَّارِيخِ لمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ إِطْراءٍ دِبْلُوماسيٍّ شَكْلِيٍّ، بَلْ كانَ تَعْبِيرًا عَنْ مَنْطِقٍ يَحْشُرُ السياساتِ الحَدِيثَةَ فِي زاوِيَةِ الإِحْراجِ، مُذَكِّرًا العالَمَ وأَمْرِيكا بِأَنَّ وَزْنَ الدُّوَلِ لا يُقاسُ بذِرْوَةِ القُوَّةِ المادِيّةِ اللَّحْظِيّةِ وحَسْبُ، بَلْ بأَصَالَةِ المَوْقِعِ والتَّارِيخِ. وتَنْعَكِسُ هٰذِهِ المَعادَلَةُ الحَضارِيّةُ فِي مَبْدَأِ المَصالِحِ الحَيَوِيّةِ المَتبادَلَةِ، حيثُ تُثَبِّتُ مِصْرُ مَوْقِفَها التَّارِيخِيَّ الراسِخَ مِن قَضِيّةِ "الصِّينِ الواحِدَةِ" مُنْذُ عامِ 1956، فِي مُقابِلِ وُضُوحٍ صِينِيٍّ غَيْرِ مَسْبُوقٍ تجاهَ حَقِّ مِصْرَ الوُجُودِيِّ فِي مِياهِ النِّيلِ وأَمْنِها المائِيِّ والغِذائِيِّ، ممَّا يَجْعَلُ التَّعاوُنَ المِشْتَرَكِ صَرْحًا يُبْنَى عَلَى التَّكافُؤِ وتَبادُلِ المَطالِبِ الشَّرْعِيّةِ، لا عَلَى الهَيْمَنَةِ والاحتِواءِ.
ولا تَقِفُ مَحاوِرُ التحْلِيلِ عِنْدَ القَضايا المائِيّةِ والتِّكْنُولُوجِيّةِ، بَلْ تَنِفَذُ إلى عُمْقِ الأَزَماتِ الدَّولِيّةِ المَشْتَعِلَةِ وعلى رأْسِها المَلَفُّ التايْوانِيُّ وحَرْبُ الرَّسائِلِ المَشْدُودَةِ بَيْنَ واشِنْطُن وبَكِين. ويَضَعُنا اللِّواءُ سامِي دُنْيا أَمامَ قِراءةٍ حَذِرَةٍ تَرْفُضُ الانْسِياقَ خَلْفَ التهْوِيلِ الاستِقْطابِيِّ الذِي يُصَوِّرُ زياراتِ المَسْؤُولِينَ أو التَّحرُّكاتِ الإِقْلِيمِيّةَ وكَأَنَّها تمْهِيدٌ قَطْعِيٌّ لِحَرْبٍ شامِلَةٍ فِي شَرْقِ آسِيا. إنَّ الصِّينَ، وإنْ كانَتْ تَرَى فِي تايْوانَ سِيادَةً لا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ، إلّا أَنَّ التَّحَوُّلَ مِنَ المَناوَرَاتِ والضَّغْطِ السيَاسِيِّ إلى الصِّدامِ العَسْكَرِيِّ المَباشِرِ يَخْضَعُ لِحِساباتٍ استْراتِيجِيّةٍ شَدِيدَةِ التَّعْقِيدِ. كَما يُفَكِّكُ التحْلِيلُ طَبِيعَةَ الاستْراتيجِيّةِ الصِّينِيّةِ التِي تَسْعَى لِتَشْتِيتِ الانْتِباهِ الأَمْرِيكِيِّ وتَوْزِيعِ جُهُودِهِ المادِيّةِ والعَسْكَرِيّةِ بَيْنَ المِحِيطَيْنِ الهِنْدِيِّ والهادِئِ، وأُورُوبّا، والشَّرْقِ الأَوْسَطِ. وفِي هٰذَا السِّياقِ المُلتَهِبِ، يَتَجَلَّى الحَذَرُ المِصْرِيُّ الذِي يَرْفُضُ أَنْ تُصَوَّرَ القاهِرَةُ وكَأَنَّها «تَحْجِزُ المَقاعِدَ» لِدَعْمِ طرفٍ عَسْكَرِيٍّ فِي المَدَى البَعِيدِ، بَلْ تَتَحَرَّكُ بِمَنْطِقِ حِفْظِ التَّوازُنِ ومَنْعِ جَرِّ المِنْطَقَةِ إلى مَعارِكَ لا تَخْدُمُ أَمْنَها القَوْمِيَّ.
وتَتَكامَلُ القِراءَةُ الاستْراتِيجِيّةُ لِتَصِلَ إلى البُنْيَةِ الفَلْسَفِيّةِ الحاكِمَةِ لِحَرَكَةِ مِصْرَ الخارجيةِ؛ إِذْ يتَبَيَّنُ أنَّ القُوَّةَ الحَقِيقِيّةَ لَيْسَتْ فِي صِناعَةِ خُصُومٍ جُدُدٍ أو التَّمَوْقُعِ فِي المَحاوِرِ المَغْلُوقَةِ، بلْ فِي امْتِلاكِ أَوْراقِ القُوَّةِ الذاتِيّةِ التِي تفْضِي إلى التَّفاوُضِ برَأْسٍ مَرْفُوعَةٍ وتَنافُسِ الآخَرِينَ على كَسْبِ الوُدِّ المِصْرِيِّ. إنَّ مِصْرَ، مبِمَوْقِعِها المَفْصِلِيِّ وقَناةِ السُّوَيْسِ والتارِيخِ الحَضارِيِّ العَرِيقِ، لا يُُمْكِنُ أَنْ تكونَ مجَرَّدَ رَقْمٍ حاشِدٍ على طاوِلَةِ الكِبارِ، بلْ هِيَ بالضَّرُورَةِ إحْدَى الأَوْراقِ الفاعِلَةِ التِي تُصَمِّمُ التَّوازُناتِ فِي المِنْطَقَةِ. ومِنْ هنا تَأْتِي الرِّسالَةُ الخاتِمَةُ الصارِمَةُ التِي تلْخِّصُ عَقِيدَةَ القرارِ الوطَنِيِّ: إنَّ الحِكْمَةَ والسِّيادَةَ تَقْتَضِيانِ أنْ تُفْتَحَ الأَبْوابُ لِلْجَمِيعِ شَرْقًا وغَرْبًا، دونَ أَنْ تُوضَعَ أَوْراقُ القَوْمِيّةِ المِصْرِيّةِ فِي يَدِ أيِّ طَرَفٍ، فتَظَلُّ مِصْرُ دائمًا هيَ المَبْدَأُ والغالِيَةُ، صاحِبَةَ القرارِ والمُبادَرَةِ فِي حِمايَةِ أَرْضِها وأَشِقّائِها وسِيادَةِ شَعْبِها إلى الأَبَدِ.

تعليقات
إرسال تعليق