مصر وصناعة السلام قوة التاريخ والدبلوماسية في إدارة الأزمات الإقليمية
كتبت /د. فايزة خطاب
دكتوراه التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية – جامعة عين شمس
باحثة الدراسات السياسية والاستراتيجية
يأتي اليوم العالمي للسلام في 21 سبتمبر من كل عام ليعيد التأكيد على أن السلام هو عملية مستمرة تقوم على الحوار والدبلوماسية والتفاوض وبناء المؤسسات وتهيئة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية القادرة على دعم الاستقرار. ويأتي اليوم العالمي للسلام لعام 2026 تحت شعار «الاستثمار في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم»، في رسالة تعكس التحول من النظر إلى السلام باعتباره نتيجة نهائية للصراعات إلى اعتباره عملية تتطلب جهدًا واستثمارًا مستمرين.
وتبرز مصر بوصفها حالة فريدة في دراسة صناعة السلام وإدارة الأزمات، ليس فقط بالنظر إلى تحركاتها الدبلوماسية الراهنة، وإنما في ضوء تراكم تاريخي تشكل عبر عقود من المشاركة في قضايا الأمن الإقليمي والدولي، والمفاوضات، وعمليات حفظ السلام، والوساطة بين أطراف النزاعات. فالدور المصري في صناعة السلام لا يمكن اختزاله في موقف تجاه أزمة بعينها، وإنما يرتبط بمنظومة أوسع تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع التاريخ والدبلوماسية ومقتضيات الأمن القومي.
وتفرض الجغرافيا على مصر موقعًا خاصًا في معادلات الاستقرار الإقليمي؛ فهي تقع عند ملتقى الدوائر العربية والأفريقية والمتوسطية، وتشرف على البحرين المتوسط والأحمر، وتمتلك قناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات البحرية العالمية. كما ترتبط بصورة مباشرة بملفات أمنية وسياسية تمتد من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي وحوض النيل. ولذلك فإن استقرار البيئة المحيطة بمصر يرتبط بصورة وثيقة بمصالحها الوطنية، ويجعل إدارة الأزمات الإقليمية ومنع اتساع نطاقها جزءًا من حسابات الأمن القومي المصري.
ومن منظور العلاقات الدولية، لا تتحدد قدرة الدولة على صناعة السلام بمجرد رغبتها في الوساطة، وإنما تتأثر بامتلاكها مجموعة من عناصر القوة والقدرة على توظيفها. وفي الحالة المصرية، تداخلت الخبرة التاريخية مع الموقع الجغرافي والثقل السياسي وشبكة العلاقات الإقليمية والدولية لتكوين مساحة واسعة للحركة الدبلوماسية.
وتعود جذور المشاركة المصرية في منظومة حفظ السلام الدولي إلى مرحلة مبكرة من تاريخ الأمم المتحدة؛ فقد شاركت مصر في عمليات حفظ السلام منذ ستينيات القرن العشرين، وتطور إسهامها على مدار العقود اللاحقة. وتواصل مصر في عام 2026 المشاركة في عدد من بعثات حفظ السلام، بما يعكس استمرار حضورها في منظومة الأمن الجماعي الدولي.
كما شكلت أزمة السويس عام 1956 محطة تاريخية مهمة في تطور منظومة حفظ السلام، مع إنشاء أول قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة، في تجربة ارتبطت مباشرة بالأزمة التي كانت مصر طرفًا رئيسيًا فيها. ومن ثم، فإن العلاقة بين مصر وقضايا حفظ السلام ليست وليدة التطورات الراهنة، وإنما تمتد إلى مرحلة مبكرة من تطور آليات الأمن الدولي.
وتأتي تجربة السلام المصري الإسرائيلي في سبعينيات القرن العشرين باعتبارها محطة أخرى في مسار الخبرة المصرية في التسويات السياسية. فقد انتقلت مصر آنذاك من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مسار تفاوضي انتهى بتوقيع معاهدة السلام عام 1979، بما أضاف إلى خبرتها الدبلوماسية تجربة مهمة في إدارة المفاوضات وتسويات الصراعات الممتدة.
وتكشف هذه التجربة التاريخية عن أن السلام في العلاقات الدولية لا يتحقق فقط من خلال الاتفاق النهائي، وإنما يسبقه مسار طويل من التفاوض، وإدارة المصالح المتعارضة، وبناء الضمانات، وتهيئة البيئة السياسية اللازمة لتحويل الصراع من مواجهة مفتوحة إلى علاقة يمكن إدارتها عبر الأدوات السياسية والدبلوماسية.
ومن هنا يمكن فهم تطور الدور المصري من المشاركة في حفظ السلام إلى المساهمة في صناعة التسويات وإدارة الأزمات والوساطة السياسية. وهي عملية تراكمية أسهمت فيها الخبرة الدبلوماسية والمؤسسات الوطنية وتعدد دوائر الحركة المصرية.
وتظهر هذه الخبرة بوضوح في التعامل مع القضية الفلسطينية، حيث شاركت مصر خلال عام 2026 في جهود الوساطة إلى جانب قطر وتركيا، وتناولت التحركات المشتركة قضايا وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين والمنشآت الطبية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، واستمرار مسار التهدئة. وقد أكدت التحركات المصرية أهمية تثبيت وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ودعم المسار السياسي.
وتكمن أهمية الدور المصري هنا في طبيعة الوساطة نفسها؛ فالوسيط في الصراعات المعقدة لا يقتصر دوره على نقل الرسائل بين الأطراف، وإنما يحتاج إلى قنوات اتصال مفتوحة، ومعرفة دقيقة بمواقف الأطراف، وقدرة على التعامل في الوقت نفسه مع الأبعاد السياسية والأمنية والإنسانية. ولذلك تمثل الوساطة إحدى الأدوات المهمة التي يمكن للدولة من خلالها تحويل ثقلها السياسي والجغرافي إلى قدرة عملية على إدارة الأزمات.
وفي السودان، يتخذ الدور المصري طبيعة أخرى، تتداخل فيها اعتبارات الأمن الإقليمي مع العلاقات التاريخية والجغرافيا السياسية ومصالح الدولة الوطنية. ففي يناير 2026 استضافت القاهرة الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان، بمشاركة دول ومنظمات إقليمية ودولية، في إطار محاولة تنسيق الجهود المختلفة للتعامل مع الأزمة ودعم المسار السياسي.
وفي سبتمبر 2026، واصلت مصر اتصالاتها بشأن السودان، مؤكدة دعمها لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، إلى جانب التأكيد على أهمية التسوية السياسية ودعم جهود التهدئة وإيصال المساعدات الإنسانية.
وهنا يظهر أحد الملامح المهمة للمقاربة المصرية، وهو الربط بين صناعة السلام والحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها. فوقف القتال يمثل خطوة أساسية، لكنه لا يضمن بمفرده استقرارًا طويل الأمد؛ إذ تحتاج التسوية إلى مؤسسات قادرة على إدارة الدولة، ومسار سياسي جامع، وقدرة على معالجة التداعيات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية للصراع.
ويمتد هذا المنظور إلى الأزمة الليبية، حيث واصلت مصر دعم المسار السياسي والحوار بين الأطراف الليبية، والتأكيد على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها. كما استضافت القاهرة اجتماعات إقليمية هدفت إلى دعم التسوية السياسية وتعزيز التنسيق بين دول الجوار بشأن الأزمة الليبية.
ومن خلال بعض هذه النماذج يمكن ملاحظة تعدد وظائف الدور المصري في صناعة السلام. ففي غزة يرتبط الدور بالوساطة والتهدئة والبعد الإنساني، وفي السودان يجمع بين دعم التسوية السياسية والحفاظ على الدولة ومؤسساتها، بينما تركز المقاربة تجاه ليبيا على دعم المسار السياسي والتنسيق الإقليمي والحفاظ على وحدة الدولة. وهذا التنوع يعكس اختلاف أدوات إدارة الصراع باختلاف طبيعة الأزمة وأطرافها وبيئتها الإقليمية والدولية.
وتبرز هنا أهمية مفهوم القوة الدبلوماسية في تفسير الدور المصري. فالقوة في العلاقات الدولية لم تعد مقصورة على القدرات العسكرية والاقتصادية، وإنما تشمل كذلك القدرة على التأثير، وإدارة الأزمات، وبناء التوافقات، والحفاظ على قنوات الاتصال، والمشاركة في المؤسسات الدولية، وتوظيف الموقع الجغرافي والتاريخ السياسي في خدمة المصالح الوطنية.
وبذلك يمكن النظر إلى الدور المصري من خلال ما يمكن تسميته المزيج الاستراتيجي للقوة؛ فالقوة العسكرية توفر القدرة على حماية الأمن القومي والردع، والموقع الجغرافي يمنح مصر أهمية في معادلات الأمن الإقليمي، والثقل السياسي يوسع مساحة الحركة، بينما تمنح الخبرة الدبلوماسية الدولة القدرة على توظيف هذه العناصر في الحوار والوساطة والتفاوض وإدارة الأزمات.
ولا ينفصل هذا المفهوم عن فكرة القوة الناعمة، التي تستند إلى التاريخ والثقافة والرصيد الحضاري وشبكة العلاقات والتواصل مع المجتمعات والدول. فالدبلوماسية الناجحة لا تعمل فقط من خلال أدوات الضغط، وإنما كذلك من خلال القدرة على بناء الثقة وإقناع الأطراف بإمكانية الوصول إلى تسويات تحفظ مصالحها الأساسية.
ومن ناحية أخرى، فإن صناعة السلام المستدام ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتنمية. فالهدنة أو وقف إطلاق النار يمكن أن يوقف العنف، لكنه لا يعالج بالضرورة جذور عدم الاستقرار. ولهذا يرتبط بناء السلام بالتنمية المستدامة، وبناء المؤسسات، وتعزيز الحوار والدبلوماسية، ودعم عمليات حفظ السلام، وهي عناصر تشكل معًا البيئة اللازمة لاستدامة الاستقرار.
وهذا البعد يظهر في التحركات المصرية الإنسانية والدبلوماسية تجاه الأزمات الإقليمية، حيث يرتبط التعامل مع الأزمات السياسية بضرورة حماية المدنيين، وتيسير وصول المساعدات، ودعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، بما يعكس اتساع مفهوم الأمن ليشمل الأبعاد الإنسانية والتنموية إلى جانب الأبعاد السياسية والعسكرية.
ومن منظور الدراسات الاستراتيجية، فإن قيمة هذه الأدوار لا تكمن فقط في عدد الملفات التي تتحرك فيها مصر، وإنما في قدرتها على الجمع بين الدبلوماسية الثنائية والأطر الإقليمية والمؤسسات الدولية. فاستضافة الاجتماعات، والمشاركة في آليات التشاور، والتنسيق مع الأمم المتحدة والدول العربية والأفريقية والشركاء الدوليين، كلها أدوات تسهم في بناء بيئة تفاوضية أوسع لإدارة الأزمات.
وهنا تتضح العلاقة بين التاريخ والدبلوماسية والاستراتيجية. فالتاريخ يمنح الدولة خبرة تراكمية في فهم الصراعات، والجغرافيا تحدد المصالح والتهديدات، بينما تحول الدبلوماسية هذه المعرفة إلى أدوات للتفاوض والوساطة وبناء التوافقات. وعندما تتكامل هذه العناصر مع القدرات الوطنية، يصبح للدولة هامش أوسع في التأثير في محيطها الإقليمي.
وفي ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي، أصبحت الأزمات أكثر تعقيدًا وترابطًا؛ فالصراع السياسي يمكن أن يتحول إلى أزمة إنسانية، والأزمة الإنسانية قد تنتج موجات نزوح وضغوطًا اقتصادية وأمنية، كما يمكن أن تمتد تداعيات الصراعات إلى الممرات البحرية والطاقة والأمن الغذائي والتجارة الدولية. ولذلك لم تعد صناعة السلام مسألة دبلوماسية منفصلة، بل أصبحت جزءًا من منظومة أوسع لإدارة المخاطر وحماية الأمن الإقليمي والدولي.
ومن هذه الزاوية، فإن الاستثمار في السلام يعني أيضًا الاستثمار في منع الأزمات قبل تفاقمها، وتعزيز قدرة المؤسسات على إدارة الخلافات، والحفاظ على قنوات الحوار، ودعم التسويات السياسية، وربط الاستقرار بالتنمية. فالسلام المستدام يحتاج إلى بناء بيئة سياسية ومؤسسية واقتصادية تحول دون إعادة إنتاج الصراعات.
وتكشف الخبرة المصرية، في ضوء ذلك، عن مسار تاريخي متدرج: من المشاركة في منظومة حفظ السلام الدولية، إلى الخبرة في تسويات الصراعات، ثم إلى أدوار الوساطة وإدارة الأزمات في البيئة العربية والأفريقية. وهذا التراكم يمنح الدبلوماسية المصرية خبرة مؤسسية يمكن توظيفها في التعامل مع أزمات متعددة ومتزامنة، مع اختلاف طبيعة كل أزمة وأدوات التعامل معها.
إن قراءة الدور المصري في ضوء اليوم العالمي للسلام تقود إلى أن صناعة السلام بالنسبة لمصر ليست نشاطًا منفصلًا عن سياستها الخارجية، وإنما أحد مسارات توظيف التاريخ والجغرافيا والدبلوماسية في حماية الأمن القومي ودعم الاستقرار الإقليمي. فمصر تتحرك في بيئة جيوسياسية تجعل الاستقرار حولها جزءًا من أمنها، وتمتلك في الوقت ذاته خبرة تاريخية وشبكة من العلاقات تسمح لها بالمشاركة في جهود الوساطة والتسوية وحفظ السلام.
ومن ثم، فإن أهمية الدور المصري في صناعة السلام لا تقاس فقط بنتائج كل مبادرة أو وساطة على حدة، وإنما كذلك باستمرارية الحضور المصري في مسارات الحوار والتفاوض والتنسيق الإقليمي والدولي، وبقدرة الدولة على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة في بيئة شديدة التعقيد.
فالسلام في مفهومه الاستراتيجي ليس مجرد لحظة تتوقف فيها المدافع، وإنما عملية تبدأ بإدارة الصراع، وتمر بالتفاوض والتسوية، وتستكمل ببناء المؤسسات وتحقيق الاستقرار والتنمية. وفي هذه العملية، تظل الدبلوماسية إحدى أهم أدوات الدول في تحويل الصراعات إلى مسارات سياسية قابلة للإدارة، وتبقى الخبرة التاريخية والجغرافيا السياسية من أهم محددات قدرتها على أداء هذا الدور.
وفي اليوم العالمي للسلام، تكتسب التجربة المصرية دلالة خاصة؛ فالدبلوماسية التي تمتلك تاريخًا من التفاوض وحفظ السلام والوساطة تستطيع أن تؤدي دورًا يتجاوز إدارة الأزمات إلى المساهمة في بناء بيئة إقليمية أكثر استقرارًا، وحماية المصالح الوطنية، وفتح مسارات للحوار عندما تضيق مساحات الحل السياسي.
وهكذا يصبح السلام بالنسبة لمصر ليس مجرد هدف دبلوماسي، بل جزءًا من معادلة أوسع تقوم على حماية الدولة، وإدارة الأزمات، ودعم الاستقرار، وتوظيف القوة الوطنية في خدمة الأمن والتنمية. وهي معادلة تزداد أهميتها في نظام إقليمي تتغير خرائطه السياسية والأمنية، وتتداخل فيه الصراعات مع الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والأمن الإنساني.
إن السلام لا تصنعه الاتفاقات وحدها، وإنما تصنعه الدبلوماسية حين تفتح طريقًا للحوار، والسياسة حين تحول الصراع إلى تفاوض، والمؤسسات حين تحمي الدولة، والتنمية حين تهيئ مقومات الاستقرار. وفي هذه المعادلة يظل الدور المصري، بما يمتلكه من رصيد تاريخي وجغرافي ودبلوماسي، أحد المسارات المهمة لفهم كيفية توظيف الدولة لأدواتها في إدارة الأزمات والمساهمة في صناعة السلام الإقليمي والدولي.

تعليقات
إرسال تعليق