شُعَاعُ "جِبْ بَتَاح" وَعَدَسَةُ الزَّمَنِ الحَضَارَةُ المِصْرِيَّةُ القَدِيمَةُ فِي مِحْرَابِ السِّينِمَا وَفَلْسَفَةِ الصُّورَةِ


كتبت /منى منصور السيد 

لم تكن مصر القديمة مجرد جغرافيا عابرة في دفتر التاريخ، بل كانت الفِكْرَةَ الأُولَى التي انبثق منها نور الإنسانية، وعلّمت العالم كيف يُدوّن الزمن بالضوء والرمز قبل أن تتفتح عين البشرية على الفنون الحديثة بقرون طويلة. ومن هذا المنطلق الفلسفي العميق، وتحت رعاية ميمونة من الأستاذ الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر والأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب، التقت العقول والشهادات في ندوة رفيعة نظمتها لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر لمناقشة التماس الخلاق والملتبس بين "السينما والحضارة المصرية القديمة". ولقد استهل الكاتب والباحث عبد الله مهدي هذا المحفل الفكري بتقديم أسمى آيات الشكر والتقدير لكل من يدعم فعاليات اللجنة، وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور علاء عبد الهادي الذي يحمل مشعل الوعي القومي، ليتناول مهدي التأسيس التاريخي محتفيًا بمقولة المؤرخ المصري القديم "مانيتون" حين ذكر أن مصر "نزلت في أرض الإله المقدس (جب بتاح)، ومنه اتخذت اسمها الذي ما زالت تحتفظ به حتى الآن"، ومعضدًا طرحه بما أكده المؤرخ الأمريكي "برستيد" من أن عطاء مصر للحضارات الإنسانية دائم ومتجدد ينهض دليلاً على عبقرية أصيلة ووجدان مرهف لشعب وادي النيل، وهي عبقرية لم ولن تنقطع قط، وستظل تؤدي دورها طالما بقي نسج حياة ذلك الإنسان العظيم.

وفي هذا التدفق الفكري المتماسك، فكّك الباحث عبد الله مهدي واحدًا من الأخطاء الشائعة المترسخة في العصر الحديث، وهو الادعاء المتداول بأن الحضارة الإغريقية هي أم الحضارات الغربية وأنها نشأت مستغنية عن مدنيات الشرق؛ حيث أورد ما أثبته عالم المصريات الراحل الدكتور سليم حسن في موسوعته الخالدة "مصر القديمة" لتفنيد هذه المقولة، مؤكدًا أن بلاد الإغريق كانت مدينة لمصر بدرجة عظيمة في أصول الفلسفة والبحث العلمي، ولا سيما أن الحضارة الإغريقية لم ترَ النور إلا في أوائل القرن العاشر قبل الميلاد حين كانت الحضارة المصرية تمر بأحد عصور إمبراطوريتها الذهبية وتتمدد فتوحاتها وثقافتها إلى أطراف آسيا وشواطئ جنوب أوروبا والبحر الأسود. وتتأكد هذه الحقيقة الناصعة عبر ما وثّقه مؤرخو اليونان وزوار مصر، ومنهم "ساورنيرون" في كتابه "المعرفة المقدسة" الذي يصف مصر بكونها مهد الحكمة ومنبع الحضارة والقلعة الحقيقية للعلوم المقدسة وجامعة العقيدة التي حملت شعلة الفلسفات، ومثلما يتجلى في رحلات كبار فلاسفة اليونان الذين عبروا البحر للتتلمذ على يد كهنة مصر؛ بدءًا من هوميروس (750 ق.م) الذي تأثر بالأساطير المصرية القديمة وأساطير الخلق والمعارك بين الآلهة في إبداعه الشعري للإلياذة والأوديسة، مرورًا بفيثاغورث وأفلاطون اللذين قضى كل منهما اثني عشر عامًا في مصر يغترفان من معارف معابدها، وصولاً إلى أرسطو الذي زار المعابد وتأثر بالعقيدة المصرية ونادى بعبادة "زيوس آمون / آمون رع"، وعهد إليه فيليب المقدوني تربية ابنه الإسكندر الذي تأثر بشغف أستاذه بـ"أرض الآلهة"، فوضع في برنامج فتوحاته زيارة مصر وتقديم الولاء لوالده الروحي "آمون" في معبده بسيوة.

ولم يقتصر هذا العطاء الحضاري على حدود الفلسفة والعلوم، بل امتد إلى "لغة السينما" ذاتها؛ إذ تجلت الرؤية البصرية المبكرة من خلال تطبيق الفنان المصري القديم المبدع لفنون التصوير على الآثار، وإدراكه العميق لمفهوم الزمن، وتكوين "الكادر السينمائي"، وبنائه لمنهج بصري يعطي القدرة على التتابع ورصد الأحداث حتى تكتمل الرسالة الفنية قبل اختراع فن السينما بآلاف السنين، حيث تقف جدران الآثار كبانوراما بصرية لافتة تعبر عن لحظات حاسمة في حياة المصريين وفق تسلسل وبناء درامي متماسك، كما في "لوحة حصر الماشية"، و"لوحة الراقصات والفرقة الموسيقية"، و"لوحة الحيوانات الساخرة". ومن هذه الزاوية البصرية، انتقل الكاتب والسيناريست إبراهيم محمد علي إلى محور "الدراما والحضارة المصرية القديمة"، موضحًا أن الدراما هي فعل وحدث وموضوع يتلخص جوهرها في تساؤل حاسم: "ماذا لو؟"، وكاشفًا عن الظلم الفادح الواقع على أعظم الحضارات الإنسانية حين تُختزل في الدراما الحديثة في مشاهد سرقة الآثار وتدنيس التراث، ومطالبًا بضرورة مراجعة المادة التاريخية دراميًا عبر علماء متخصصين، وبأن تضطلع الدولة المصرية بإنتاج أعمال درامية تاريخية ضخمة تليق بقيمة مصر ومكانتها الحضارية.

وكان هذا النقد الصريح يتكامل مع الرؤية الناقدة التي طرحها الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثاريين السابق بوزارة السياحة والآثار، الذي أكد أن الدراما أسهمت في تشويه الحضارة المصرية القديمة وترسيخ مفاهيم مغلوطة؛ مستشهدًا بأفلام سينمائية افتقرت إلى المرجعية العلمية التاريخية، كفيلم "عروس النيل" الذي تناول موضوعًا لا وجود له في التاريخ المصري، والاستعراض الهزلي لشخصية "حتشبسوت" في فيلم "غرام في الكرنك"، والأخطاء الشنيعة في فيلم "المهاجر" ليوسف شاهين نتيجة غياب الاستعانة بعلماء الآثار. وحذّر الدكتور مجدي شاكر بنبرة حاسمة من خطورة المخططات التي تقودها حركة "الأفروسنتريك" والصهاينة من خلال تصدير خرافات "لعنة الفراعنة" و"الكاهن الشريرة" و"السحر"، ومشددًا على خطورة توظيف الذكاء الاصطناعي لتمرير هذه المخططات وتزييف الوعي، ليبقى الإنسان المصري القديم بعقله وإبداعه هو المعجزة الحقيقية التي يجب الافتخار بها، ومناشدًا "الشركة المتحدة" بضرورة إنتاج فيلم عالمي عن "إخناتون". وهو الطرح الذي أيدته القاصة والروائية عزة أبو العز بضرورة إنجاز أعمال سينمائية جادة تستوعب هذا الإرث الثقافي والتاريخي التليد لترسيخ الوعي القومي وحمايته من التزييف.

وفي سياق توظيف الشاشة لصناعة المستقبل، طرح المهندس حمدي عز، نقيب السياحيين، رؤية إستراتيجية لربط السينما بالآثار والتنشيط السياحي، كاشفًا أن حظ الحضارة المصرية في السينما العالمية لم يتجاوز خمسة عشر فيلمًا منذ عام 1912 حتى عام 2025، صُوّر بعضها في مصر كفيلم "جريمة على النيل" لجيمس بوند عام 1977، بينما صُوّرت أفلام أخرى خارجها مثل فيلم "كليوباترا" لإليزابيث تايلور عام 1963 الذي صُوّر في المغرب. وأكد المهندس حمدي عز أن السياحة السينمائية أصبحت أداة تسويقية فاعلة تفوق آلاف الحملات التقليدية، فالجمهور لا يسافر إلى الأماكن بل إلى الصور التي انطبعت في مخيلته عبر الشاشة، مستشهدًا بارتفاع السياحة في روما بنسبة 156% بعد عرض مسلسل "Wednesday" على منصة "Netflix"، والتجربة الكورية الرائدة في التعاون مع المنصات العالمية لترويج جمال البلاد؛ مختتمًا كلامه بأن مصر كنز سينمائي بانتظار عدسة عالمية، ومطالبًا بإنشاء لجنة وطنية للتنسيق بين وزارتي السياحة والآثار والثقافة والقطاع الخاص لتقديم حوافز تشجيعية للإنتاج العالمي على غرار نيوزيلندا وتايلاند. وقد اكتملت أركان الندوة بمداخلات قوية أثرت النقاش، حيث عبّر الإعلامي عاصم عبد الفتاح عن عشق التاريخ الكامن في الوجدان منذ تقسيم مانيتون للأسرات الثلاثين، وأكد المهندس سامي يعقوب دور السينما المحوري في تشكيل أفكار الشعوب، وطافت الأستاذة الدكتورة رندا بليغ، أستاذة الآثار المصرية القديمة، بالحضور في رحلة إبداعية تناولت عصر الملك رمسيس الثاني وجدل فرعون الخروج مشيدة بثراء الندوة، ونبه الأستاذ الدكتور محمد غنيم إلى أهمية الحفاظ على الآثار وعدم السماح للمصورين ومنظمي الحفلات بالعبث بها إلا وفق ضوابط علمية صارمة تضمن سلامتها.

إن استعادة البهاء المصري عبر الشاشة البيضاء ليست مجرد خيار ترفيهي، بل هي واجب قومي ومعركة وعي تسترد الصورة من يد العابثين والمزيّفين، لتعيد إهداء نور "جب بتاح" إلى الإنسانية قاطبة؛ وفي ختام هذه التظاهرة الفكرية العميقة التي احتضنتها النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، جرى توزيع شهادات المشاركة والتقدير على الباحثين والمحدثين، والتقاط الصور التوثيقية لحدثٍ أثبت أن روح الحضارة المصرية القديمة لا تزال تنبض بالحياة، تنتظر العدسة التي تدرك سر خلودها وتصوغ رسالتها إلى العالم بلسان الفن والجمال.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية