حين يصبح الزواج صفقة تجارية عن غلاء المهور، وسلطة المقارنة، وأحلام لا تشبه الواقع

  كتبت/ سماح العباسي


ثمة شيء غريب يحدث حول الزواج في زماننا هذا.


شاب وفتاة قد يتفقان على أن يبدآ حياتهما معًا، وقد يجد كل منهما في الآخر ما يبحث عنه من مودة واحترام وتفاهم، ثم تقف بينهما فجأة قائمة طويلة من الشروط؛ مهرٌ مرتفع، ومسكن بمواصفات معينة، وحفل يليق بمكانة العائلة، وهدايا لا ينبغي أن تقل عما حصلت عليه ابنة الخالة أو الصديقة أو ابنة الجيران.


وكأن الزواج لم يعد بداية حياة، بل أصبح واجهة اجتماعية يتعين على العريس أن ينجح فيها أمام لجنة لا تنتهي من المحكمين.


والأغرب أن بعض هذه الشروط لا تأتي دائمًا من العروس نفسها، بل قد تصنعها الأسرة من حولها، ثم تُنسب إليها.


"ابنتنا لا تقل عن فلانة."


"كيف نقبل بهذا ونحن نعرف ماذا أعطى أهل فلان لابنتهم؟"


"ماذا سيقول الناس عنا؟"


ثلاث جمل صغيرة، لكنها استطاعت أن تفسد على كثير من الشباب فرصة ربما كانت تصلح لأن تكون بداية حياة مستقرة.


لقد دخلت المقارنة الاجتماعية إلى البيوت حتى أصبحت بعض الأسر تقيس قيمة ابنتها بما يستطيع العريس أن يدفعه، لا بما تستحقه من احترام ورعاية وكرامة.


لكن قيمة الفتاة لا ترتفع بارتفاع مهرها، كما أنها لا تنخفض إذا كان زواجها بسيطًا.


والرجل كذلك لا ينبغي أن يُقاس بقدرته على الإنفاق في ليلة واحدة، وإنما بقدرته على تحمل المسؤولية، والعمل، والوفاء، واحترام شريكة حياته.


فالزواج ليس مزادًا.


وليس سباقًا بين العائلات.


وليس مناسبة لإثبات من أكثر ثراءً أو وجاهة.


إنه حياة كاملة.


والمشكلة أن بعض الشباب يدخلون هذه الحياة بعد أن استُنزفت طاقتهم وأموالهم في محاولة إرضاء الآخرين. 

يبدأ الزوجان حياتهما بالديون، ثم يكتشفان أن الليلة التي أنفقا عليها الكثير انتهت، بينما بقيت الأقساط.


لقد أصبحنا أحيانًا نهتم بما سيقوله الناس في حفل الزفاف أكثر مما سيحدث بين الزوجين بعد انتهاء الحفل.


وهذه مفارقة مؤلمة.


فالذين يطالبون بحفل أفخم لن يعيشوا مع الزوجين.


والذين يقارنون مهر هذه الفتاة بمهر تلك لن يدفعوا الديون.


والذين ينتقدون أثاث المنزل لن يكونوا موجودين حين يواجه الزوجان أول أزمة حقيقية.


ومع ذلك، نسمح لأصواتهم بأن تحدد مستقبلنا.


أما أحلام الفتيات، فليست المشكلة في أن تحلم الفتاة بحياة كريمة وجميلة؛ فهذا حق طبيعي. 

المشكلة تبدأ حين تتحول الصورة المثالية التي صنعتها المقارنة المستمرة إلى شرط لا يمكن التنازل عنه.


أن تكون الشقة كذا، والسيارة كذا، والحفل كذا، والشبكة كذا، وأن يشبه الزوج نموذجًا رأته في حياة صديقتها أو في صور المشاهير.


لكن الحياة الواقعية ليست صور منشورة على الهواتف.


نحن لا نرى في الصور سنوات العمل، والقلق، والاختلافات، والمسؤوليات، ولا نعرف ما يحدث خلف الأبواب المغلقة.


نرى الواجهة فقط.


ثم نقارن حياتنا كلها بواجهة حياة الآخرين.


وهنا يأتي دور الأسرة.


فالأسرة الواعية لا تربي ابنتها على أن الزواج صفقة لتحصل من خلالها على أكبر قدر ممكن من المال، كما لا تربي ابنها على أن الفتاة مجرد قائمة من المطالب.


بل ينبغي أن تعلم الطرفين أن الزواج شراكة.


وأن المال مهم، نعم، لكنه ليس كل شيء.


وأن الاستقرار لا يُشترى بالمال.


وأن الإنسان الذي يمتلك المال ولا يمتلك الرحمة والمسؤولية قد يكون عاجزًا عن صناعة بيت سعيد، بينما يستطيع إنسان يبدأ من القليل أن يبني مع شريكة حياته حياة كريمة إذا امتلكا الوعي والتعاون.


ومن المؤسف أن بعض الناس يتحدثون عن تعاليم الدين السمحة، ثم يمارسون في الواقع افعالا غريبة ما يجعل الزواج أكثر تعقيدًا وتعسيرًا.


الدين لا يحتاج إلى أن يتحول إلى شعارات نرددها، وإنما إلى قيم نعيشها: التيسير، والرحمة، والعدل، وحفظ الحقوق، وعدم تحميل الناس ما يفوق طاقتهم.


وفي المقابل، فإن التيسير لا يعني إلغاء حقوق الفتاة، ولا يعني أن تقبل بزوج لا تريده، ولا يعني التغاضي عن سوء الخلق أو انعدام المسؤولية.


التوازن هو الحل.


أن يكون للفتاة حقها في الاختيار والقبول والرفض، وأن تكون للأسرة الحكمة في النصيحة لا التحكم، وأن يفهم الرجل أن الزواج مسؤولية حقيقية، وأن يدرك الجميع أن المال وسيلة للحياة وليس معيارًا لقيمة الإنسان.


لقد آن الأوان لأن نسأل أنفسنا سؤالًا مؤلمًا:


لمن نتزوج؟


هل نتزوج لأننا نريد أن نبني بيتًا؟


أم لأننا نخشى كلام الناس؟


هل نختار شريك الحياة لأنه مناسب لنا؟


أم لأن الآخرين سيصفقون لنا إذا رأوه؟


هل نقيم الإنسان بأخلاقه ومسؤوليته؟


أم بما يملك وما يستطيع أن يدفعه؟


ربما لو توقفنا عن النظر إلى الزواج باعتباره صفقة تجارية، وبدأنا ننظر إليه باعتباره مسؤولية إنسانية طويلة، لتغيرت أشياء كثيرة.


فالزفاف ليلة.


أما الزواج فأعوام.


والقاعة تنتهي في ساعات.


أما البيت فيحتاج إلى عمر كامل من الصبر.


والناس الذين يصفقون للعروسين في ليلة الزفاف سيعود كل واحد منهم إلى بيته في نهاية المطاف، بينما يبقى الزوجان وحدهما أمام تفاصيل الحياة.


لذلك، ليس المهم كم أنفقنا كي نُبهر الناس.


المهم: ماذا تركنا لأنفسنا كي نعيش؟


ليس المهم كم كان مهر العروس مقارنة بمهر ابنة الجيران.


المهم: هل وجدت إنسانًا يصونها ويحترمها؟


وليس المهم كم استطاع العريس أن يقدم في بداية الطريق.


المهم: هل يستطيع أن يكمل الطريق معها بصدق ومسؤولية؟


ربما نحتاج إلى ثورة هادئة في أفكارنا عن الزواج.


ثورة تعيد الإنسان إلى مكانه الطبيعي، وتُخرج الزواج من سوق المقارنات، وتعيد للأهل دورهم الحقيقي: النصح لا المزايدة، والحماية لا التعقيد، والحكمة لا الخضوع لكلام الناس.


فأحيانًا لا يحتاج الزواج إلى مزيد من المال.


بل يحتاج إلى قليل من العقل.


وقليل من الرحمة.


وكثير من الوعي.


لأن البيت الذي يُبنى لإرضاء الناس قد ينهار عندما يرحل الناس.


أما البيت الذي يُبنى على المودة والاحترام والمسؤولية، فقد يستطيع أن يصمد حتى النهاية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية