الأشياء التي نُتقن فقدانها قبل أن نفقدها


كتب /حسام الدين بريطل⁩

ثمة أشياء لا تغادر حياتنا دفعةً واحدة، بل تبدأ بالرحيل حين نتركها طويلًا في ممرّ الإهمال. تمرّ الأيام فوقها كما يمرّ الغبار فوق كتابٍ مفتوح، فيغطي كلماته دون أن يمحوها تمامًا؛ تبقى الحقيقة موجودة، لكننا نحتاج إلى جهدٍ أكبر كي نقرأها. هكذا تفقد بعض الأشياء بريقها في حياتنا، لا لأنها فقدت قيمتها، وإنما لأن اعتيادنا عليها يحجب عنا هشاشتها، ولأننا نتعامل مع وجودها كأنه وعدٌ صادر عن الزمن، لا نعمةٌ قابلة للانتهاء.


نحن لا نفقد الأشخاص دائمًا حين يرحلون، بل قد نبدأ بفقدانهم حين نضع حضورهم في خانة المضمون. نؤجل المكالمة لأن اليوم مزدحم، والاعتذار لأن الكبرياء لم يهدأ، والزيارة لأن الموعد المناسب لم يأتِ، والكلمة الطيبة لأننا نظن أن المحبة تُفهم دون أن تُقال. غير أن المشاعر لا تعيش على النوايا وحدها؛ إنها تحتاج إلى فعلٍ صغير يثبت أنها لم تتحول إلى شيء محفوظ في أعماقنا، لا يصل إلى أحد. وقد يصبح التأجيل، مع تكراره، لغةً يفهمها الآخرون جيدًا، حتى لو ظللنا نجهل ما نقوله بها.


كم من علاقة لم تهدمها عاصفة، بل نخرها ماءٌ بطيء تسلل من شقوق التفاصيل؟ سؤال لم نطرحه، وموعد لم نحفظه، وحزن مرّ بجانبنا فلم ننتبه إليه، ويدٌ امتدت نحونا فظننا أنها ستبقى ممدودة إلى الأبد. لا يتعب القلب دائمًا من غياب الحب، بل من اضطراره إلى البحث عنه في الأماكن التي كان ينبغي أن يجده فيها دون عناء. وحين يتكرر الشعور بالتأجيل، يبدأ الإنسان في تقليص حضوره بنفسه، لا لأنه لم يعد يهتم، بل لأنه لم يعد يريد أن يثبت كل مرة أنه يستحق الاهتمام.


ولعل أقسى ما في هذا النوع من الفقد أننا لا نملك لحظةً واضحة نحمّلها مسؤولية النهاية. لا توجد ساعة محددة انكسر فيها كل شيء، بل سلسلة من اللحظات الصغيرة التي مررنا بها دون أن ندرك أنها كانت تنقل العلاقة من الدفء إلى الفتور. ثم نلتفت يومًا فنجد أن الشخص الذي كان يروي لنا تفاصيله صار يختصر حديثه، وأن الذي كان ينتظر لقاءنا لم يعد يسأل عن الموعد، وأن الألفة التي ظنناها نهرًا دائم الجريان لم تكن سوى مجرى يحتاج إلى من يمدّه بالماء. عندها نفهم أن بعض المسافات لا تبدأ بالخطوات، وإنما تبدأ حين يتوقف أحد الطرفين عن الشعور بأنه مأمون المكان.


ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول الحديث عن الإهمال إلى محاكمةٍ شاملة للذات. فليست كل نهاية نتيجة تقصير، ولا كل غياب دليلًا على أننا لم نحب بما يكفي. هناك علاقات تنتهي رغم الصدق، وأشخاص نبتعد عنهم لأن القرب منهم يستنزف أرواحنا، وأبواب نغلقها حفاظًا على ما تبقى في داخلنا. الحكمة ليست أن نتمسك بكل شيء خوفًا من الفقد، وإنما أن نعرف ما يستحق الإصلاح، وما يحتاج إلى المسافة، وما كان يمكن إنقاذه لو أننا انتبهنا قبل أن يتحول الصدع إلى هاوية.


إن الأشياء العزيزة لا تطلب منا غالبًا بطولاتٍ استثنائية؛ إنها تحتاج إلى حضورٍ صادق في الأيام العادية: مكالمة لا تنتظر مناسبة، واعتذار لا يتطلب أن يخسر أحد الطرفين معركته، وإصغاء لا يتسلل إليه النظر إلى الساعة، وامتنان يصل إلى صاحبه قبل أن يصبح مرثيةً في الذاكرة. فالكلمات الجميلة التي نؤجلها تشبه رسائل نكتب عناوينها بعناية ثم نتركها في درجٍ مغلق؛ قد تكون صادقة وممتلئة بالحب، لكنها لا تؤدي وظيفتها ما دامت لم تصل.


في نهاية المطاف، لا تُقاس الخسارة بما غاب عن حياتنا فقط، وإنما بما كان يمكن أن نفعله قبل الغياب ولم نفعله. بعض الأشياء لا تموت في يوم رحيلها؛ إنها تنسحب منا تدريجيًا، كلما مررنا بجانبها وقلنا إن لدينا وقتًا كافيًا. وحين نعود للبحث عنها، قد نجد مكانها فحسب: كرسيًا لم يعد أحد يجلس عليه، ورقمًا لا نجرؤ على الاتصال به، وكلمات ازدحمت في صدورنا حتى فقدت طريقها إلى الخارج. عندها ندرك أن الإهمال لا يصنع الغياب بصوتٍ مرتفع؛ إنه يتركه يتكوّن في الظل، قطرةً بعد قطرة، حتى يصبح ما كان قريبًا ذات يوم بعيدًا إلى الحد الذي لا تنفع معه كل أيدينا الممدودة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية