تنوير الأبصار
كتب /محمد كامل يوسف طه
كنت أتفكر في انتقاء عنوان يناسب موضوع هذا المقال يوفيه معناه بحق ويعبر عنه بصدق ، وإذا بعيني - وأنا أقلب مكتبتي - تقع على كتاب موسوعي في الفقه الحنفي لا يكاد يعرفه الكثيرون إلا باسم واضع حاشيته وهو الامام الكبير محمد أمين بن عمر أفندي الشهير بابن عابدين، ( حاشية ابن عابدين ) ، إذ قد علق رضي الله عنه على شرح هذا الكتاب المسمى ب ( الدر المختار ) بحاشية كبيرة اسماها ( رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار) فكانت قراءة عنوانه بردا وسلاما على قلبي الذي أدرك حاجته ووجد بغيته ، فحمدته سبحانه على ما هداني إليه ، وجعلت هذا العنوان رأسا للمقال ،وارجو أن يكون بلفظه ودلالاته حاملاً لرسالتي التي تهدف إلى حاجة الإنسان الدائمة إلى من يذكره إذا نسي ويأخذ بيده إذا ضل ، وينير بصره وبصيرته على ما خفي عنه وتوارى ، والله أمرنا بالتذكير ووجهنا إلى لفت الأنظار وتبيين الحقائق وتوضيحها للآخرين بأسلوب طيب وطريقة هينة وسهلة، قال تعالى " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن..." ، وقال " فذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى " وقال " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ..." .
ونحن في مسيس الحاجة إلى من يذكرنا ويكشف لنا حقائق الأشياء وخبايا الأمور الغائبة أو التي لا ننتبه لها حتى وهي بين أيدينا، والإنسان كثيراً ما تعرض له محن ومصائب وابتلاءات وكل ذلك بتقدير العزيز الحكيم الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا ، فلا يسعه إلا الصبر والتماسك ثم الاستعانة بالله على اجتيازها والخروج منها لا أقول سالماً بل منتصراً ظافرا بما أراد ومبتهجاً بما حقق ، والله - سبحانه - لا يضيع أجر العاملين.
«لم تخسر كل شيء...
يروى أن رجلاً كان يعيش مع أسرته في بيت متواضع، ويعمل في متجر صغير يوفر لهم من خلاله قوت يومهم.
وفي يومٍ من الأيام، فقدَ عمله، ثم مرضت زوجته، وتراكمت عليه الديون، حتى شعر أن كل أبواب الدنيا قد أُغلقت في وجهه.
جلس ذات ليلة حزينًا، وقال في نفسه:"ماذا بقي لي؟ لقد خسرت كل شيء!"
وبينما هو كذلك، مرَّ به رجلٌ مسن، فرآه مهمومًا فجلس بجواره وقال له:
ما بك يا بني؟فحكى له الرجل ما أصابه من ضيق وكرب.
فقال له العجوز:
هل تستطيع أن تمشي؟قال: نعم.قال:— وهل تستطيع أن ترى وتسمع وتتنفس؟قال: نعم.
فابتسم العجوز وقال:"إذن لم تخسر كل شيء… أنت فقط فقدت بعض الأشياء، ونسيت النعم التي ما زالت بين يديك."
كانت كلماتٍ بسيطة، لكنها أعادت إلى قلبه الأمل من جديد!
وفي اليوم التالي، استيقظ بهمة عالية وبحث عن عمل ولم يستسلم، ومع مرور الوقت وجد عملًا أفضل، وتحسنت صحة زوجته، وبدأ يسدد ديونه شيئًا فشيئًا.
وعندما عاد إلى العجوز شاكرًا له، قال:
لقد غيّرت حياتي بكلماتك.فأجابه العجوز:"أنا لم أغيّر حياتك يا بني، وإنما ذكّرتك أن ما أغلقه الله لحكمة، قد يفتح لك بعده أبوابًا لم تكن تتخيلها."
لا تجعل شدةً عابرة تُقنعك أن حياتك انتهت، فكم من ضيقٍ كان بداية فرج، وكم من بابٍ أُغلق ليُفتح بعده بابٌ خيرٌ منه.
لا تنظر فقط إلى ما فقدت، وانظر أيضًا إلى ما أبقاك الله عليه من نعم.
وإذا ضاقت بك الدنيا فلا تيأس… فما دام الله هو ربك فالأمل لا ينقطع والفرج قد يأتي من حيث لا تحتسب.
قال الله تعالى:﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]
فلنكثر الحمد لله على ماأعطى ، ونبتهل إليه أن يبصرنا بنعمه ويشعرنا بفضائله وعطاياه وكرمه، فهو - جل شأنه - أكرم الأكرمين وخير الشاكرين ، والحمد لله رب العالمين.

تعليقات
إرسال تعليق