الشرق الأوسط أمام لحظة الحقيقة.. ومصر تعرف طريقها

كتب /أيمن عدلى 

نعيش هذه الأيام واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في تاريخ منطقتنا. حروب وأزمات تتداخل، وتوترات تمتد من غزة إلى اليمن وإيران، ومخاوف متزايدة على أمن الملاحة والطاقة والتجارة، بينما يجتمع العالم في نيويورك داخل أروقة الأمم المتحدة بحثًا عن مخارج سياسية لأزمات تبدو في أحيان كثيرة أكبر من قدرة طرف واحد على حلها.

وفي وسط هذا المشهد، تتأكد مرة أخرى حقيقة مهمة بالنسبة لي: أن مصر لا تستطيع أن تنأى بنفسها عن قضايا المنطقة، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن تتحرك بمنطق ردود الأفعال، وإنما تحتاج دائمًا إلى رؤية تحسب خطواتها وتضع أمنها القومي ومصالحها الوطنية في المقدمة.

ولعل ما شهدته الأيام الأخيرة في نيويورك يعكس طبيعة الدور الذي تتحرك من خلاله القاهرة؛ فوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أجرى سلسلة من اللقاءات والمشاورات حول غزة وإيران واليمن والسودان، مؤكدًا أهمية خفض التصعيد والعودة إلى المسار السياسي والحوار، مع التشديد على أمن الملاحة وحرية حركة التجارة وفق القانون الدولي.

وفي الملف الفلسطيني، أكدت مصر تمسكها بحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض تهجير الفلسطينيين أو فصل غزة عن الضفة الغربية، مع ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات والبدء في إعادة الإعمار.

أما السودان، الذي يمثل بالنسبة لمصر قضية أمن قومي بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، فقد كان حاضرًا أيضًا في التحركات المصرية بالأمم المتحدة، حيث ناقشت القاهرة مع مسؤولين سودانيين وأمريكيين سبل إنهاء الحرب، وشددت على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسساته الوطنية.

وفي ليبيا، تكرر الموقف المصري الداعي إلى الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها ومؤسساتها، ودعم المسار السياسي الذي يمكن أن يقود إلى تسوية مستدامة تحفظ للدولة الليبية تماسكها.

وهنا أعتقد أن قراءة الدور المصري تحتاج إلى النظر إلى الصورة كاملة، لا إلى خبر منفرد أو تصريح عابر.

مصر تتحرك في منطقة شديدة التعقيد، وتتعامل مع ملفات تمس حدودها وأمنها ومصالحها الاقتصادية وحركة التجارة والطاقة، ولذلك يصبح الهدوء في السياسة الخارجية ليس غيابًا عن المشهد، وإنما أداة من أدوات إدارة الأزمات.

وفي رأيي، المنطقة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة بقدر ما تحتاج إلى عقول تعرف كيف تفتح أبواب الحوار عندما تغلق أبواب السياسة.

فالقوة ليست فقط في القدرة على المواجهة، وإنما أيضًا في القدرة على منع المواجهة من الاتساع، والحفاظ على قنوات الاتصال، والبحث عن حلول سياسية قبل أن تتحول الأزمات إلى حروب طويلة يدفع ثمنها المواطن العربي.

وما جرى مؤخرًا من اجتماع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وتأكيدهم أهمية حماية الملاحة ورفض توسيع دائرة الصراع والدعوة إلى الحوار والدبلوماسية، يعكس حجم التشابك الذي أصبحت عليه أزمات المنطقة، وأن أمن دولة أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بأمن جيرانها وبأمن طرق التجارة والطاقة.

وهنا أعود إلى مصر.

مصر دولة كبيرة بتاريخها، ولكن الأهم أنها دولة تعرف أن الحفاظ على مكانتها لا يكون بالشعارات، وإنما بإدارة مصالحها بعقل هادئ، وبناء علاقات متوازنة، والحفاظ على قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، مع التمسك بثوابتها ومصالحها الوطنية.

وأعتقد أن أصعب ما في السياسة الخارجية ليس أن تقول "نعم" أو "لا"، وإنما أن تعرف متى تتحدث، ومتى تفاوض، ومتى تتمسك بموقفك، ومتى تبحث عن مساحة مشتركة يمكن أن تمنع أزمة أكبر.

الشرق الأوسط أمام لحظة فارقة، والعالم نفسه يعيد ترتيب كثير من حساباته، ولذلك فإن مصر أمام مسؤولية كبيرة: أن تحافظ على أمنها واستقرارها، وأن تواصل دورها في دعم استقرار محيطها، وأن تظل حاضرة في الملفات التي تمس الأمن العربي والمصري.

وفي النهاية، قد تختلف المواقف، وقد تتعدد الرؤى، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن ما يحدث حول مصر يؤثر فيها، وأن استقرار مصر يرتبط بدرجة كبيرة باستقرار محيطها.

ولهذا فإن حماية الدولة، والحفاظ على مؤسساتها، ودعم السلام، والتمسك بالحوار، ليست شعارات سياسية، وإنما ضرورات تفرضها طبيعة المنطقة التي نعيش فيها.

الشرق الأوسط يحتاج إلى السلام أكثر من أي وقت مضى، ومصر تعرف أن طريق السلام يبدأ بالحوار، لكنه يحتاج أيضًا إلى دولة قوية تعرف مصالحها وتحافظ عليها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية