سَيْفٌ فِي غِمْدِ السَّلام قِرَاءَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فِي أطْرُوحَاتِ معالي اللِّوَاءِ سَمِير فَرَج وَفَلْسَفَةِ الرَّدْعِ المِصْرِيِّة


متابعة وتحليل /منى منصور السيد

لا يولد السلام الحقيقي من فقر البدائل أو استكانة الفؤاد، بل يتخلق في أتون القوة المحسوبة التي تملك زمام العاصفة وتلجم جموحها؛ وتأتي التصريحات والرؤى الاستراتيجية الأخيرة لمعالي اللواء دكتور سمير فرج لتضع هذه الحقيقة تحت أضواء التحليل العميق، قاطعةً بعدم وجود تعارض بين البحث عن الاستقرار وبناء القوة العاتية. إن الأمة التي تختار السلام خياراً استراتيجياً – كما جلى ذلك معاليه في قراءته – لا تغمد سيفها غفلةً أو وهناً، بل تحوله إلى شخوصٍ مهيب في وعي الخصوم، يُرى أثره ولا تُجتذى أسبابه إلا عند الضرورة القصوى. وفي هذا التحليل لأطروحات فرج، لا نطالع مجرد عرضٍ لعقيدة قتالية، بل نستكشف ميثاقاً فكرياً يربط بين التاريخ والجغرافيا، حيث تتلقح الخبرات الشرقية التي رضعتها معاهد العقيدة السوفيتية بالحسابات الغربية الصارمة لأكاديميات كامبرلي وكلية الحرب الأمريكية، لتنصهر جميعها في بوثقة "الهجين التكتيكي المصري"، ذلك الفكر الذي يتجاوز المذاهب المستوردة ليرسي فلسفة سيادية تجعل من السلام حصناً مشيداً بالتنمية، ومحميّاً بأسوارٍ من ردعٍ لا يرحم المستخفين.

وتتجسد عبقرية التحليل الذي طرحه معالي اللواء حين نضع المقارنة الاستراتيجية التي ساقها في كفة التفكيك الجيوسياسي؛ فالكيان الإسرائيلي، كما أوضح، محكومٌ بطبيعته التكوينية التي تفتقر إلى جغرافية منسرحة تؤمن له نفساً دفاعياً طويلاً، مما جعله مسكوناً بعقدة الخوف من المباغتة، فاندفع يبني عقيدته القتالية على مبدأ الهجوم المباشر ونقل أتون المعركة إلى أرض الخصوم، كما تجلى في عدوان 1956 وحرب 1967. وفي المقابل، فإن مصر – الممتدة على عمق حضاري وتاريخي متصل يشكل درعاً طبيعياً – اختارت عن وعيٍ وقدرة أن تبني فلسفتها على "العقيدة الدفاعية الشاملة" التي لا تقتات على العدوان، بل تضع خطوطاً حمراء صلبة لحماية التراب الوطني، مترفعةً عن الانجرار إلى حروب استنزافٍ مجانية تحرق مقدرات الشُّعوب وتصادر أمل الأجيال.

لقد توقفت تصريحات اللواء سمير فرج ملياً عند الرابط العضوي بين السلام ومستحقات البناء الاجتماعي والاقتصادي، مسترجعةً دروس التاريخ المتأرجحة بين مرارة حرب الاستنزاف وأمجاد نصر أكتوبر، حيث توقفت عجلة التنمية لعقود وعُطلت مشروعات البنية التحتية، وهو ما فرض إعادة تعريف مفهوم "الأمن القومي" ليكون صنو التنمية لا نديدها. فالاستثمار الأجنبي – كما يصفه الكاتب برؤية اقتصادية ثاقبة – رأس مالٍ وجلٌ يحاذر مناطق الصخب والبارود، والسياحة نبتة رقيقة تصوح في أجواء التوتر؛ ومن هنا غدت مهمة القوات المسلحة أوسع من مجرد حراسة التخوم البرية، لتتحول إلى عيون ساهرة تحرس شريان قناة السويس، وترسخ الهيبة فوق مياه المتوسط لحماية حقول الغاز وسلاسل الإمداد، ليكون السلام هو البيئة الشفافة التي ينبت في أحضانها الاقتصاد وتتخلق فيها الفرص.

ويرتقي التحليل حين يُفكك المفهوم المزدوج للردع الذي فاضت به تصريحات معاليه، متوزعاً بين ركنين مكينين: ردعٍ معنوي وقائي، وردعٍ إيجابي حاسم؛ فالردع المعنوي يتحقق بحجم القوة التراكمية والتفوق النوعي الذي يضع الجيش المصري في صدارة القوى الإقليمية، مما يرسل رسالة صامتة وبليغة لكل من تسوّل له نفسه المساس بالأمن القومي بأن تكلفة الاعتداء باهظة. وأما الردع الإيجابي، فهو الفعل الميداني المباشر الذي أشار إليه اللواء فرج مستشهداً بالرد الخاطف على مجزرة ليبيا عام 2015، حيث لم تقتصر الاستجابة على صليل الطائرات لتدمير أوكار الإرهاب، بل أُتبعت بعملية إنزالٍ خاطفة لقوات الصاعقة أجهزت على الرؤوس المدبرة، لتسجل في أدبيات المواجهة أن الدم المصري خطٌّ أرجواني، وأن للسلام المعتمد ذراعاً قادرة على البطش إذا ما انتهكت خطوطه الحمراء.

ولم يكن لهذا الردع بشقيه أن يحتفظ باستقلاليته وحريته التكتيكية، بحسب تحليل تصريحات اللواء فرج، لو ظل مكبلاً بارتهانٍ لتسليحٍ أُحادي المصدر؛ ومن هنا كان التحول الاستراتيجي الجسور بكسر احتكار السلاح عبر تنويع الشراكات مع فرنسا وإيطاليا وألمانيا وروسيا وكوريا الجنوبية، جنباً إلى جنب مع الشراكة الأمريكية. ولم يقف الأمر عند الاستيراد المتوازن، بل تجاوز ذلك إلى توطين التصنيع العسكري وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لعرض وتطوير التكنولوجيا الدفاعية من خلال معرض (EDEX)، بالتوازي مع كثافة غير مسبوقة في التدريبات المشتركة مع كبريات جيوش العالم، والتي باتت تُطلب برغبة دولية للاستفادة من المزيج القتالي المصري الفريد الذي يجمع بين التكتيكات الشرقية والتكنولوجيا الغربية.

إن القراءة المتأنية في تصريحات وأطروحات معالي اللواء دكتور سمير فرج تؤكد أن خيار السلام لدى الدولة المصرية ليس مجرد استجابة لضغطٍ مرحلي أو مهادنة للظروف الإقليمية المتفجرة، بل هو موقف القوة العاقلة التي تدرك موازنات الإقليم وتستشرف المستقبل بحذرٍ شديد. إنه صنيعُ أمةٍ تدرك أن أعتى الدروع ليست تلك التي تُستخدم في إشعال الحروب، بل تلك التي تملك غلبة السلاح وحكمة العقل، لتبقي السيف في غِمده مهيباً، يرعى نماء الأرض، ويضمن أن تظل راية السلام خياراً يتسربل بالفولاذ ولا يلين للرياح.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية