الصمت لغةٌ لا يجيدها إلا الحكماء

كتبت /تغريد يحيى الطباخي

ليس الصمتُ دائمًا عجزًا عن الكلام، ولا ضعفًا في التعبير، بل قد يكون أبلغ من آلاف الكلمات. فهناك مواقف يعجز فيها اللسان عن وصف ما يشعر به القلب، ويصبح الصمت هو اللغة الوحيدة التي تحمل صدق المشاعر وعمق الإحساس.


الصمتُ حكمةٌ حين يكون الكلام سببًا للخصام، وقوةٌ حين يكون الردُّ لا يزيد الجاهل إلا عنادًا، ووقارٌ حين يحفظ للإنسان كرامته. وليس كل من صمت لا يملك جوابًا، فقد يسكت لأنه أدرك أن بعض العقول لا تنفع معها الحجج، وأن بعض النقاشات لا تثمر إلا مزيدًا من الضجيج.


وفي الصمت مساحةٌ للمراجعة والتأمل؛ ففيه يصغي الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أفكاره، ويرى ما لم يكن يراه وسط صخب الحياة. لذلك كان الحكماء أقلَّ الناس كلامًا، وأكثرهم أثرًا، لأنهم أدركوا أن قيمة الإنسان ليست بكثرة ما يقول، بل بحكمة ما يقول.


ومع ذلك، فالصمت ليس محمودًا في كل الأحوال؛ فالصمت عن الحق خذلان، والصمت عن الظلم مشاركةٌ فيه، والصمت عن كلمة الخير حرمانٌ لمن يحتاجها. فالحكمة ليست أن نصمت دائمًا، وإنما أن نعرف متى نتكلم، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام.


فاختر كلماتك كما يختار البستاني أجمل زهوره، وإذا لم تجد كلمةً تزيد الحياة جمالًا، فدع للصمت مكانه، فإنه أحيانًا رسالةٌ من الوقار، وعنوانٌ للرقي، ودليلٌ على نضج العقل وسكينة القلب.


فليس كل صامتٍ لا يشعر، وليس كل متكلمٍ يملك الحقيقة؛ فبعض الصمت هيبة، وبعض الكلام ندم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية