ثقافة الاعتذار.. حين تكون الشجاعة خيارا أخلاقيا وركيزة وجودية
بقلم د. ولاء عابد
في عالم يتسارع فيه التنافس وتتضخم فيه الذاتوية كثر الحديث عن القوة والجسارة والتمكين بينما توارت فضائل كبرى لا يقل أثرها عن أعتى مفاهيم القيادة والحوكمة.
وعلى رأس هذه الفضائل تأتي "ثقافة الاعتذار" ذلك السلوك الإنساني الرفيع الذي يسيء البعض فهمه بوصفه مظهرا من مظاهر الضعف أو الانكسار بينما هو في جوهره قمة الصلابة النفسية وأسمى درجات النضج الأخلاقي والدليل الأكيد على صحوة الضمير واستقامة الفطرة.
تتلاقى الشرائع السماوية والرؤى الفلسفية على أن التراجع عن الخطأ وجبر الخاطر هو جوهر النقاء الإنساني فالإنسان غير معصوم لكن فضيلته الكبرى تكمن في قدرته على الاعتراف والرجوع.
يتجلى هذا المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ... وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ليؤكد أن الآفة الحقيقية تكمن في "الإصرار" والمكابرة لا في مجرد وقوع الخطأ.
ويؤكد الهدي النبوي الشريف هذه الفطرة في قول الرسول الكريم «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (رواه الترمذي) والتوبة في جوهرها ليست سوى اعتذار صادق وإنابة واعية.
وتتكامل هذه القيمة الأخلاقية في الكتاب المقدس حيث ترسخ تعاليم السيد المسيح أهمية المبادرة بالصلح وجبر الخواطر قبل أي شيء، فيقول في إنجيل متى: «فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ... اذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ» (متى 5: 23-24) مما يبرز أن السلام مع الآخرين والاعتذار لهم يتقدم على الشعائر الظاهرة.
وعلى المستوى المؤسسي والتنظيمي تشكل ثقافة الاعتذار مقياسا دقيقا لسلامة البيئة الإدارية ومدى نضج القيادة الرشيدة فالقائد الذي يمتلك الجسارة الأخلاقية للاعتراف بقرار غير صائب أمام فريق عمله لا ينقص ذلك من هيبته بل يرسي دعائم الأمان النفسي ويشجع روح المبادرة والابتكار إذ يعلم الجميع أن الخطأ التجريبي مغتفر ما دام يتوج بالتقويم والتعلم.
أما المؤسسات التي تسودها المكابرة وإنكار الأخطاء فتتحول بمرور الوقت إلى بيئات طاردة للكفاءات يسودها الخوف وتتراجع فيها مستويات الشفافية والجودة.
علاوة على ذلك يمثل الاعتذار الواعي أداة استراتيجية حاسمة لترميم الروابط الإنسانية وحمايتها من التآكل البطيء.
فالكثير من النزاعات المستعرة بين البشر لا تعود إلى عظم الخطأ ذاته بل إلى المكابرة في التراجع والامتناع عن جبر الخاطر بكلمة صادقة.
إن الاعتذار الشجاع ينزع فتيل الضغائن ويعيد ترتيب المعادلة الإنسانية على قاعدة من الاحترام المتبادل والوفاء والتسامي عن صغائر الأمور.
أن نعتذر يعني أن ننتصر للحق ولكرامة الآخرين دون أن ننقص من كرامتنا وأن نختار نبل المواقف على حساب انتصارات وهمية تجرد العلاقات من دفئها.
إن الحياة أرحب وأقصر من أن نستهلكها في الدفاع المستميت عن أخطائنا والمرء الحكيم هو من يدرك أن كلمة اعتذار صادقة تخرج من قلب مخلص قد تبني من جسور الثقة والود ما تعجز سنوات طويلة من الجدال والمكابرة عن إصلاحه.

تعليقات
إرسال تعليق