فلسفة المسافة الاستراتيجية قراءة أدبية وسياسية في تصريحات معالي اللواء سامي محمود دنيا

 

إعدادوتحليل/منى منصور السيد

يقف العالم اليوم على أرض لجة يتسارع فيها إيقاع التحولات الجيوسياسية بشكل لم يشهده التاريخ المعماري للصراعات الدولية منذ عقود، حيث لم تعد الأزمات حوادث منفصلة تقرأ كل منها بمعزل عن الأخرى، بل أمست شبكة ممتدة من الخطوط المشدودة بين العواصم والكواليس. وفي قلب هذا المشهد المائر المملوء بضجيج التحالفات المتغيرة وتقاطع المصالح الحادة، تأتي الرؤية الاستراتيجية الحصيفة التي طرحها معالي اللواء سامي محمود دنيا، المحلل العسكري والاستراتيجي، لتقدم قراءة ثاقبة تفكك شفرات هذا التشابك الإقليمي والدولي، وتضع التطورات في نصابها الصحيح. إن تصريحات معالي اللواء تمثل بوصلة سياسية وعسكرية تسبر غور المراحل الحرجة، حيث لا تملك الدول الراسخة بذخ الانفعال المكسور أو الانصياع لأوهام المحاور المغلقة، بل تدار السياسة العليا بصبر المجربة، وحكمة العقل السيادي الذي يعرف متى يصغي للهمس الدبلوماسي، ومتى يثبت كالطود عند خطوط المجال الحيوي. ومصر، بموقعها الذهبي وتاريخها الممتد، تجد نفسها في قلب هذه المعمعة، صانعة لنفسها مسارا يمازج بين صلابة حماية الحدود ومرونة بناء الجسور مع الجميع.

تتجلى صلابة هذا الموقف، كما شرحها معالي اللواء سامي دنيا، في كيفية التعاطي مع قوس الأزمات الملتهب الذي يحيط بالنواة الصلبة للأمن القومي المصري، نحو غزة، وليبيا، والسودان، وصولا إلى المواضع الحساسة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. إن المنطق الاستراتيجي الحاكم للقاهرة لا ينظر إلى هذه الملفات باعتبارها مجرد بؤر للصراع الميداني، بل يراها دوائر حيوية يرتبط الاستقرار فيها بمنع انتقال الفوضى وتفكك شرايين الدولة الوطنية. ففي ليبيا تستمر الجهود الدبلوماسية المضنية لتوحيد المؤسسات السيادية وإزالة ألغام الانقسام، وفي السودان تتواصل المساعي لرفرفة راية الحوار العقلاني وتقريب الشقة بين الأطراف الممتاقة للسلاح حفظا لكيان الدولة ومؤسساتها، بينما يبقى جرح غزة المنفذ الأكثر حرجا الذي يستلزم إدارة لحظية تمنع انفجار الإقليم كله. إن كل حركة مصرية في هذه الجبهات تنطلق من ثابت واحد أبرزه التحليل العسكري: أن حماية الحدود لا تتاح بالمراقبة الساكنة، بل بصناعة حزام أمان سياسي ومؤسسي يمنع الفراغ من أن يكون مسرحا لأطماع القوى الإقليمية والدولية.

وإذا كانت الحدود المباشرة تدار بمشرط الجراح الأمني والسياسي، فإن الدبلوماسية المصرية على الصعيد الدولي الفسيح تتقن لغة "الإشارات المبرمجة" لتأكيد استقلالية القرار الوطني، وهو ما توقف عنده معالي اللواء سامي دنيا بالتحليل العميق عند قراءته للمواقف الرسمية. ومن هذا المنطلق تأتي قراءة التواصل الدبلوماسي الهادئ مع كوريا الشمالية — وعبر رسائل التهنئة الرسمية المعهودة التي وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون — كممارسة طبيعية للسيادة المصرية ولعمق العلاقات التاريخية القائمة، بعيدا عن التفسيرات المهرجانية أو القفزات التحليلية المذعورة في الغرب التي تحاول إسقاط نظرية "حرب المحاور" أو افتراض "تحالفات نووية وعسكرية سرية". إن مصر كانت وما زالت تتحرك في فلك المصالح الوطنية المحضة؛ تستطيع أن تحتفظ بأبواب مفتوحة مع بيونغ يانغ، وبيجين، وموسكو، في الوقت الذي ترسخ فيه شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن والعواصم الأوروبية، متجاوزة منطق العزل أو الارتهان لمعسكر ضد آخر، وهو المنطق الذي أثبت عقمه في عالم متعدد الأقطاب يمضي نحو الصفقات المفتوحة.

يأتي هذا السلوك المصري المتوازن في لحظة كونية تعاني فيها القوى العظمى نفسها من إعياء الانخراط المتعدد، كما رصد اللواء دنيا في قراءته لتحركات واشنطن والبنتاجون. ففي العاصمة الأمريكية، تكشف الكواليس عن تحديات جسيمة تمس انضباط الممارسة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، بين تسريبات حساسة، واستقالات متتابعة، وتقارير نازفة عن استنفاد المخزونات العسكرية والذخائر الاستراتيجية. هذا الإنهاك المادي والمؤسسي يصاعد الأسئلة الحرجة حول قدرة الإدارة الأمريكية على خوض أو إدارة جبهات مشتعلة في وقت واحد؛ إذ يتزامن صراع المفاتيح في الشرق الأوسط بين إيران وإسرائيل — الذي أعاد رسم قواعد الردع والنفوذ من دمشق وبغداد إلى بيروت وصنعاء — مع الملف الأوكراني الذي بدأت فيه المشاهد العسكرية تتزحزح صوب أروقة المفاوضات التكتيكية. إن الرؤية الروسية والأمريكية والأوروبية للحرب في شرق أوروبا أمست أقرب إلى استكشاف صيغ هدنة وتسويات قد لا تحقق جميع رغبات طرفي النزاع، لكنها تفرض واقعا جديدا يؤكد أن الحروب الكبرى لا تحسم بلغة الميدان وحدها، بل بموازين الصفقات الاقتصادية والضمانات الأمنية الممتدة.

ومع إعادة تشكيل هذه المحاور، تبرز جبهة أخرى لا تقل خطورة عن الميدان العسكري، وهي جبهة الوعي العام وصناعة اهتمام الرأي العام، وهو الملف الحيوي الذي أفرد له معالي اللواء سامي محمود دنيا مساحة تحذيرية فائقة الأهمية. إن المشهد الإعلامي الدولي والمحلي يشهد ظاهرة مقلقة تتمثل في "هندسة الانتباه"، حيث يسارع إلى ضخ التغطيات الكثيفة حول المآسي الإنسانية العاطفية — كحادثة سقوط الطفل أيوب في البئر وما شابهها من الفجائع بين الحين والآخر — لتستهلك الشغف المشاعري للجماهير وتصرفهم عن الممارسات الجيوسياسية الكبرى للدولة. وإن كان التعاطف الإنساني سمة نبيلة لا يمكن إنكارها، فإن الخطر الاستراتيجي ينشأ عندما يتم استغلال هذه المشاهد لتبديد التركيز السياسي وحجب الرؤية عن المخاطر الوجودية الممتدة على الحدود. ولهذا، فإن المعركة الحقيقية للدولة المصرية هي معركة الوعي الصادق؛ التمييز بين الخبر الصادق والإثارة المصطنعة، وبين الرسالة الدبلوماسية المحسوبة والشائعات الصاخبة التي تحاول جر الشارع إلى أوهام وسيناريوهات لا أصل لها.

في ظل هذا المماذج الحرج، يمكن صياغة المسارات المستقبلية وفق نموذج استشرافي يعتمد الاحتمالية الرصينة بدلا من التنبؤ القطعي؛ إذ يبقى "سيناريو الموازنة الحذرة وعصر الصفقات" هو الخيار الأرجح والممثل للمسار الأساسي (بنسبة ترجيح تصل إلى ستين بالمائة). هذا المسار يقوم على استمرار الموقف المصري في التمسك بالاستقلال السيادي، وتوظيف الدبلوماسية المرنة لاحتواء أمواج الفوضى المنبعثة من الحدود المشتعلة، بالتوازي مع ارتقاب نضج الصفقات الكبرى بين العواصم الفاعلة. أما "سيناريو التصعيد الشامل" — الذي يفترض انفجارا كاملا للصراع الإيراني الإسرائيلي وانهيارا جذريا في السودان وقطاع غزة — فيبقى خيارا محتملا بنسبة أقل، ولكنه يمتلك آثارا عميقة تستدعي رفع جاهزية مؤسسات الردع المصرية. وفي المقابل، تظل احتمالات "الانحسار المطلق أو التسوية الكلية" أو صدمات "البجعة السوداء" محكومة بشروط دولية شادة العقدة ولا يمكن المراهنة عليها بمفردها.

إن الحقيقة الناصعة التي لا تمحوها التقلبات، والتي تجلت في ثنايا التحليل الاستراتيجي لمعالي اللواء سامي محمود دنيا، هي أن مصر، بقيادتها ومؤسساتها وشعبها، تعي جيدا كيف تدير خارطة مصالحها في عالم يعيد صياغة موازينه. إنها لا تطلب إذنا من أحد لتمارس حقها في التواصل والاعتراف ومصادقة من تراه خادما لأمنها القومي، ولا تسلم مفاتيح قرارها لأي محور كان. وفي هذا الزمن المملوء بالتحديات الاستراتيجية والأزمات المركبة، يبقى التحدي الأكبر هو الصمود المعرفي والتمسك بثوابت الدولة الوطنية، لتظل القاهرة كما كانت دوما: صخرة تتكسر عليها أمواج الفوضى، ومنارة للاستقرار، ودولة قادرة على حماية نفسها ودعم أشقائها بينما يتحرك العالم عبر الدخان والذخائر نحو مصيره الجديد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية