صحفي بلا بطاقة، وجمهور بلا شك

 كتبت /د. رضا عادل فاضل 

في زحمة الشاشات التي تتوالد كل ثانية منشوراً جديداً، ولد نمط من الصحافة لا يشبه سابقيه، صحافة لا تحمل شعاراً ولا تقف خلف واجهة زجاجية لمبنى مؤسسي، بل تسكن في حساب واحد يديره فرد واحد، يكتب برأيه ويصور بهاتفه وينشر بإرادته وحدها، دون رقيب تحريري ولا سياسة نشر مكتوبة، فيغدو هو الصحفي والمحرر ورئيس التحرير في آن واحد، وتغدو صفحته الشخصية غرفة أخبار متنقلة لا جدران لها ولا ساعات دوام.

هذا الصحفي الذي أسميه هنا بالصحفي اللامرئي، ليس غائباً عن المشهد بقدر ما هو غائب عن البنية التي تعرّفنا بها الصحافة التقليدية منذ قرن، فهو حاضر بصوته وصورته ومتابعيه، لكنه غائب عن سجلات النقابات المهنية، غائب عن هرم المؤسسة الذي يمنح الثقة تلقائياً لمن يحمل بطاقة صحفي، وبذلك تنتقل معادلة المصداقية من كونها ممنوحة سلفاً بحكم الانتماء المؤسسي، إلى كونها مكتسبة يوماً بعد يوم بحكم التفاعل والاتساق والصدق المتكرر أمام جمهور يراقب كل كلمة.

وهنا يكمن التحول الأعمق، فحين كانت المؤسسة الإعلامية هي الضامن الأخلاقي للمحتوى، كان القارئ يثق بالجريدة قبل أن يثق بالكاتب، أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، إذ يثق المتابع بالشخص أولاً، ويحمل هذا الشخص مصداقيته أينما انتقل بين المنصات، وكأن الثقة أصبحت ملكية فردية متنقلة لا ملكية مؤسسية ثابتة، وهذا يفسر كيف يستطيع صحفي لامرئي أن يخسر منصة بأكملها بسبب حظر أو إغلاق حساب، ثم يعيد بناء جمهوره كاملاً على منصة أخرى خلال أسابيع قليلة، لأن الجمهور لم يكن يتابع القناة بل كان يتابع الإنسان.

غير أن هذا الانتقال لا يخلو من مأزق حقيقي يستحق التأمل النقدي، فحين تغيب المؤسسة تغيب معها آليات المساءلة التي اعتادتها الصحافة التقليدية، من تصحيح الأخطاء علناً إلى مواجهة الدعاوى القانونية بجهاز قانوني متكامل، إلى وجود محرر يراجع النص قبل نشره ويكبح اندفاعة الكاتب حين تخونه العاطفة أو يستفزه الحدث، وفي غياب هذه الطبقات الرقابية يصبح الصحفي اللامرئي عرضة لأن يتحول من ناقل للحقيقة إلى فاعل فيها، تحديداً حين تتشابك ذاتيته مع مادته الصحفية بلا حاجز مهني يفصل بينهما.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً في هذا السياق هو سؤال الاستدامة، فالمؤسسة الصحفية التقليدية تراكم أرشيفها وتراثها المهني وتنتقل خبرتها من جيل صحفي إلى آخر داخل بنيتها، بينما يبقى إرث الصحفي اللامرئي مرتبطاً بجسده وصوته وحضوره الشخصي، فإذا غاب غاب معه الأرشيف كله أو تشتت بين حسابات متعددة لا رابط مؤسسياً يجمعها، وهذا يطرح تحدياً عميقاً أمام الذاكرة الإعلامية العربية التي تُكتب اليوم بأصوات فردية متناثرة أكثر مما تُكتب بمؤسسات راسخة.

إن الصحافة اللامرئية ليست انحرافاً عن الصحافة، بل هي مرحلة جديدة من تطورها، تعيد تعريف من يحق له أن يكون صحفياً، ومن أين تُستمد الشرعية المهنية، وكيف تُبنى الثقة في زمن تحرر فيه الفرد من سلطة المؤسسة، لكنه في المقابل تحرر أيضاً من حمايتها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية