نبض الحنين.. حين يشتد الشوق إلى منازل الأجداد
كتبت /روزان ماجد حسن الرطروط
هناك زوايا في الروح لا تملؤها الأيام، وبقاع في الذاكرة تظل دافئة مهما اشتد برد الأيام وغربتها. وحين نتحدث عن الأجداد، فإننا لا نتحدث فقط عن ماضٍ انقضى، بل نتحدث عن جذور الوجد، وعن الدفء الحقيقي الذي يغمر القلب كلما أتعابنا المسير.
كم هو موجع ذلك الحنين الذي يتسلل إلى الصدور كلما هبت ريح الذكريات، وكلما مرّت أمام أعيننا صور تلك الوجوه الطاهرة التي كانت تصنع من بساطة العيش متعة، ومن قسوة الأيام سكينة وطمأنينة!
عتبات الأمان المفقودة
أفئدة لا تعرف الجفاء: كان الجد والجدة هما الملاذ حين تضيق علينا الدنيا، والقلب الكبير الذي يتسع لكل تعثرات الطفولة وبراءتها بلا منٍّ ولا إشراط.
رائحة المكان: يفوح الحنين غالباً من تفاصيل صغيرة؛ من سجادة صلاة بالية، من ركن هادئ في الدار القديمة، أو من نبرة صوت حانية كانت تدعو لنا في ظهر الغيب فتنفتح لها أبواب السماء.
الأمان المطلق: بوجودهم، كنا نشعر أن العالم مكان آمن تماماً، وأن مظلة دعواتهم الصادقة تحمينا من كل عارض.
دمعة الحنين وعمق الفقد
حين يرحلون، يتركون في الصدر غصة لا تبرؤها الأيام، وفي البيت وحشة لا يبددها صخب الحياة. يصبح الشوق إليهم شعوراً جارحاً لكنه جميل؛ شوقاً إلى تلك الأيادي المبرومة بعِرق التعب والرضا، وإلى تلك العيون التي كانت تنظر إلينا بعين الفخر والحب الخالص.
"ما أثقل الشوق لمن رحلوا وتركوا في أرواحنا بصمة لا تُحسَب بالأيام، بل تُقاس بنبض الحنين الدائم."
نلتقي بهم في الأحلام، ونبحث عن طيفهم في تفاصيل ملامحنا وتقاسيم أصواتنا التي ورثناها عنهم، وكأننا نحاول عبثاً أن نعيد شيئاً من ذلك الدفء المفقود إلى حياتنا اليومية.
الوفاء للنبض الأبدي
إن العزاء الوحيد لمن يشتاق لأجداده هو أنهم لم يرحلوا حقاً؛ فحبهم متأصل في شراييننا، وذكراهم العطرة مصباح يضيء عتمة الطرقات. نحتفظ بهم في أدعية السجود، وفي حكايات نحكيها لأبنائنا لنبقي جذوتهم حيّة لا تذبل.
رحم الله أرواحاً كانت رحلتهم في الحياة درساً في الصبر واللين، وجعل شوقنا إليهم وصلاً مباركاً يجمعنا بهم في مستقر رحمته حيث لا فراق ولا حنين.

تعليقات
إرسال تعليق