هل أصبحت حياتنا محتوى؟


كتبت /د. الشيماء المشد 

استاذ مشارك إدارة الأعمال-كليات الشرق العربي 

قبل أن نطفئ شموع الميلاد، نتأكد من تشغيل الكاميرا. وقبل أن نتذوق الطعام، نبحث عن الزاوية المناسبة لتصويره. وفي رحلة طال انتظارها، قد ننشغل بما سننشره عنها أكثر مما ننتبه إلى تفاصيلها. هكذا يتسلل سؤال إلى مشاهد يومية تبدو عادية: هل نوثّق الحياة التي نعيشها، أم نرتب حياتنا لتبدو جميلة حين يراها الآخرون؟


لطالما احتفظنا بالصور كي نستعيد لحظات عزيزة. نضعها في ألبوم، ونعود إليها بعد سنوات، فتوقظ فينا ما ظنناه منسيًا. لكن وجود جمهور ينتظر، ويتفاعل، ويعلّق، يضيف إلى التوثيق معنى آخر. تصبح للصورة مهمة تتجاوز حفظ الذكرى؛ عليها أن تقدم انطباعًا عنا: نحن سعداء، وناجحون، ومحبوبون، ولدينا ما يستحق المشاهدة.


ومع الوقت، قد يحضر هذا الجمهور في أذهاننا حتى حين نكون وحدنا. نتخيل تعليقاته قبل التقاط الصورة، ونختار الكلمات وفقًا لما قد يثير اهتمامه، ونراجع تفاصيل اللحظة بعين من سيشاهدها. أي جزء يصلح للنشر؟ وأي مشهد يستحق الإعادة؟ وربما نعيد ضحكة عفوية لأن الكاميرا لم تلتقطها، فنحصل على صورة أوضح، ونفقد شيئًا من عفويتها.


المشاركة في ذاتها متعة إنسانية مفهومة. نرغب في أن يفرح الآخرون لفرحنا، وأن يعرف البعيدون أخبارنا، وأن تصل كلماتنا إلى من يجد فيها صدى لتجربته. وقد تحمل صورة بسيطة دفئًا يعبر المسافات. غير أن هذه المتعة تصبح مرهقة حين نشعر بأن اللحظة تحتاج إلى استجابة الآخرين كي تكتمل، وأن فرحتنا تظل معلّقة إلى أن نرى عدد المشاهدات والتعليقات.


عندها، قد نعود إلى الهاتف مرارًا بعد نشر خبر سعيد، ويشغلنا فتور التفاعل عن الخبر نفسه. وقد نتردد في مشاركة إنجاز نعتز به لأنه يبدو متواضعًا بجوار إنجازات تظهر أمامنا كل يوم. ويتحول السؤال من «ماذا تعني لي هذه التجربة؟» إلى «كيف ستبدو في نظر الآخرين؟». هنا يبدأ المقياس الخارجي في مزاحمة إحساسنا الخاص بقيمة ما نعيشه.


وتمتد هذه النظرة أحيانًا إلى اختياراتنا الاستهلاكية. قد نختار مكانًا لأن صوره أجمل، أو نشتري شيئًا لأنه ينسجم مع الصورة التي نريد تقديمها عن أنفسنا. يصبح الجمهور المتوقع حاضرًا في قرار الشراء، حتى وإن لم نلتقِ به يومًا. ويجد التسويق في هذه الرغبة مساحة مؤثرة؛ فالمنتج يعدنا أيضًا بمشهد يمكن عرضه، وانطباع يمكن تركه، وحكاية يمكن أن نكون أبطالها.


لكن خلف كل مشهد منشور حياة أوسع من حدوده. الصورة الأنيقة لا تتسع لكل التعب الذي سبقها، والابتسامة لا تخبرنا بكل ما يمر به صاحبها. وحين نقارن يومنا الكامل، بما فيه من ملل وارتباك ومسؤوليات، بلحظات منتقاة من أيام الآخرين، قد تبدو حياتنا أقل بهجة مما هي عليه. ننسى أننا نعرف كواليسنا بالتفصيل، بينما نشاهد من حياتهم ما اختاروا إظهاره فقط.


وهناك سؤال آخر يستحق التوقف: من يملك اللحظة حين تضم أكثر من شخص؟ قد نرى في موقف عائلي مادة لطيفة للمشاركة، بينما يراه أحد الحاضرين شأنًا خاصًا. وقد ننشر صورة طفل بحب، دون أن نلتفت إلى أن تفاصيل حياته تُروى أمام جمهور لم يختره. فسهولة النشر لا تعني تلقائيًا أن كل ما نستطيع مشاركته يخصنا وحدنا.


ربما نحتاج إلى مساحة نستعيد فيها حقنا في عيش أشياء لا يراها أحد: جلسة لا ينقطع حديثها من أجل صورة، وإنجاز نحتفي به قبل إعلان حدوثه، ورحلة نحتفظ ببعض تفاصيلها لأنفسنا. ويمكن أن تبدأ هذه المساحة بسؤال بسيط قبل النشر: هل أرغب في مشاركة هذه اللحظة، أم أشعر بالضغط لإثبات أنني عشتها؟


يمكن للكاميرا أن تحفظ ملامح يوم جميل، وللمشاركة أن توسّع دائرة الفرح. ويظل لنا أن نقرر متى نلتقط الصورة، ومتى نضع الهاتف جانبًا ونترك اللحظة تمضي بطبيعتها. فبعض اللحظات يكفينا منها أننا كنا حاضرين فيها بكل انتباهنا، حتى لو لم يعرف بها أحد.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية