أيها الإنسان: طائرك في عنقك
كتب /محمد كامل يوسف طه
تدبر القرآن العظيم مطلب عظيم من مطالب تحصيل الخير ، أعني خيري الدنيا والآخرة ، بل هو أحد أهداف نزول القرآن على قلبه صلى الله عليه وسلم وغاياته ، قال تعالى " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب" وهذا العنوان اقتباسٌ بتصرف من قوله تعالى " وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ " سورة الإسراء : رقم 13 ، قال الطبريُ : يقول تعالى ذِكْرُهُ : وكلّ إنسان ألزمناه ما قُضِىَ له أنَّه عامِلُهُ، وهو صائرٌ إليه من شقاءٍ أو سعادةٍ بعمله في عنقه لا يفارقه، قال : حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) قال: الطائر: عمله، قال: والطائر في أشياء كثيرة، فمنه التشاؤم الذي يتشاءمُ به الناسُ بعضهم من بعض.
ونُقِلَ عن عطاء الخراساني عن ابن عباس أيضاً قوله: ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) قال: عمله وما قُدِّرَ عليه، فهو ملازمه أينما كان، فزائلٌ معه أينما زال. قال ابن جريج : طائره: عمله، وعن مجاهد، قال: عَمَلُهُ وما كتب الله له.
إن الإنسان - أمام الله تعالى - مسؤولٌ عن عمله مسؤوليةً تامَّةً ، صغيراً كان هذا العمل أو كبيراً، عظيماً كان أو متواضعاً، فهذا وعدٌ حقٌ وقولٌ صدقٌ لاشك فيه ولا مراء، فإذا علم المرء واجباته - كما هو عالم بحقوقه - ، وتوافر بكل جوارحه على القيام بها - بهمة عالية وعزم صادق ونشاط كبير بادئا بنفسه أولًا ثم بمن يعول ممن ولاه الله المسؤولية عليهم - فاز وأفلح، وإن قصر خاب وخسر وفاته الخير الكثير.
وتطالعنا من الذكر الحكيم نصوص كثيرة تحدثا على الاهتمام بأنفسنا أولاً لأنها محل الاعتبار وموضع المساءلة والحساب ، والإنسان سيسأل عن نفسه أولا ثم عن غيره بحسب صلته من هذا الغير ، وهذه النصوص تعتمد - في مجموعها - مبدأ المسؤولية الفردية - لا الجماعية - ، وهو المحاسبة على ما قام به وعَمِله بنفسه ولنفسه أو عليها .
ثم إنَّ هذا العمل - كما أخبر سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة " وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه..." - ملازمٌ له ملازمةً تامَّةً إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً.
فإن قال قائل: وكيف قال: ألزمناه طائره في عنقه ، ولم يقل: ألزمناه في يديه ورجليه أو غير ذلك من أعضاء الجسد؟ قيل: لأن العنق هو موضع السمات، وموضع القلائد والأطوقة، وغير ذلك مما يزين أو يشين، فجرى كلام العرب بنسبة الأشياء اللازمة بني آدم وغيرهم من ذلك إلى أعناقهم وكثُرَ استعمالهم ذلك حتى أضافوا الأشياء اللازمة سائر الأبدان إلى الأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء الأبدان إلى اليد، فقالوا: ذلك بما كسبت يداه، وإن كان الذي جرّ عليه الإثمَ - في الحقيقة - لسانُهُ أو فَرْجُهُ أو غيرهما من الأعضاء ، قال تعالى " ذلك بما قَدَّمَتْ يداك ..." فكذلك قوله ( أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ).
إقرأ معي - متدبرًا عاقلًا - هذه الآيات :
* ( وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ...) * 111 سورة النساء ، * (... فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ...) * 104 سورة الأنعام ، * (مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ...) 46 سورة فُصّلَتْ ، * (...وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ...) * 12 سورة لقمان ، * (...وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ ..) * 18 سورة فاطر ، * (...وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ..) * 6 سورة العنكبوت ، * ( وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖفَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ..) * 92 سورة النمل ، * (...وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ ...) * 38 سورة محمد ، * (...فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ...) * 10 سورة الفتح ، وغيرها من النصوص الكثيرةِ التي توضح لنا التأكيد *على المسؤولية الفردية وتحمل نتائجها في أوضح صورة وأقوى عبارة "*.
ورحم الله من قال :
وراقبَ ربهُ وعصى هواه وحاسبَ نفسهُ قبلَ الحساب.
أحبابي وأخواتي في الله، إذا كانت نجاة المرء يوم القيامة مشروعاً شخصياً ، ولم يكن له إلَّا ما سعى ، وأنَّ سعْيَهُ سوف يُرَى ؛ فعلينا إذاً أن نعمل لأنفسنا ونحاسبها، ونجتهد لنجاتها ، والفوز بها إلى الجنة وإلى أعلى الدرجات فيها ، وعلى الله قصد السبيل، وهو سبحانه لا يضيع أجر المحسنين.
اللهم صَل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم .

تعليقات
إرسال تعليق