الوعي الإعلام وتقدم الشعوب
كتبت / الإعلامية آلاء حلمى ذخيرة
الإعلام ليس مجرد نقل أخبار
لم يعد الإعلام مجرد نافذة تطل منها الأمم على المستجدات، بل تحول إلى قوة جبارة تصوغ الوعي، وتوجه الفكر، وتقود السلوك الإنساني داخل المجتمعات. فالكلمة العابرة التي تصل في ثوانٍ معدودة إلى ملايين العقول، قد تكون مصباح هداية وتصحيح لمفهوم مغلوط، أو سببًا في نشر الشائعات وزعزعة الاستقرار.
الوعي الإعلامي ركيزة لتقدم الشعوب
من هنا يبرز الوعي الإعلامي بوصفه المعيار الأساسي لتقدم الأمم؛ فالمجتمع الواعي لا يتلقى المواد الإعلامية استهلاكاً دون تمحيص، ولا ينجرف خلف التيارات المضللة، بل يحتكم إلى لغة العقل والتحقق، مفرِّقاً بدقة متناهية بين الحقيقة الموضوعية والرأي الشخصي، ومدركًا أن تداول المعلومة أمانة ومسؤولية كبرى قبل أن يكون حقًا مباحًا.
في الهدي النبوي الشريف والتوجيه المحمدي
لقد حسم الإسلام هذه القضية بمنهج دقيق وصارم يحمي عقول الناس ومجتمعاتهم من آفة نقل الشائعات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال:
«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ». (رواه مسلم)
هذا الحديث الشريف يُعد قاعدة ذهبية وميثاقاً أخلاقياً ومهنياً فريداً في وجوب التحري والدقة البالغة وعدم إشاعة كل ما يطرق الأذن دون تثبت، وهو معيار تزداد أهميته الإلحاحية اليوم في زمن الإعلام الرقمي المتسارع، حيث تتحول الدقة إلى ضرورة أمنية ومجتمعية وأخلاقية.
المسؤولية في العصر الرقمي
ولا يقتصر دور الإعلام على نقل الحدث، بل يمتد إلى صناعة المعرفة، وترسيخ القيم العليا، وإبراز النماذج المضيئة، مع صيانة عقل المتلقي من التضليل والإثارة الزائفة. وفي عصرنا الرقمي الراهن، حيث غدت منصات التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من حياتنا وأصبح كل مستخدم قادراً على صناعة المحتوى، تضاعفت مسؤولية الوعي أضعافاً مضاعفة، وبات السؤال المفصلي قبل نشر أي معلومة: أصدقٌ هذا أم افتراء؟ وهل في نشره نفع للمجتمع؟
بناء الإنسان أساس النهضة
إن النهضة الحقيقية للأمم لا تُقاس بما تكتنزه من ثروات مادية، بل بقدرتها على بناء إنسان واعٍ، يمتلك ناصية التفكير النقدي، ويبني مواقفه على العلم والمعرفة لا على الأوهام والانطباعات. فالوعي الإعلامي هو الحصن المنيع وخط الدفاع الأول ضد الزيف.
وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
فحين يلتقي الوعي بالأخلاق، وتتزاوج المعرفة بالمسؤولية، ويتحلى القلم بالصدق؛ يصبح الإعلام أداة لبناء الإنسان، ويغدو الوعي العنوان الحقيقي لتقدم الشعوب.

تعليقات
إرسال تعليق