إلى أين تمضي بنا أيها الأيام والسنين؟
كتبت /د. تغريد يحيى الطباخى
إلى أين تمضي بنا أيها الأيام والسنين؟
سؤالٌ يتردد في أعماق الروح كلما مرّ عام، وكلما ترك الزمن على وجوهنا أثرًا، وفي قلوبنا حكاية، وفي ذاكرتنا أسماءً غاب أصحابها، وبقيت ذكراهم تنبض بين تفاصيل الحياة.
إن الأيام لا تمضي وحدها، بل تأخذ معها شيئًا من أعمارنا، ومن أحلامنا، ومن ضحكاتنا، ومن دموعنا أيضًا. تمضي حاملةً بين طياتها لقاءاتٍ لا تتكرر، وأماكن لم تعد كما كانت، ووجوهًا غيّبها السفر أو الغياب أو الموت، تاركةً في القلب فراغًا لا يملؤه إلا الرضا بقضاء الله.
كم كنا نظن أن العمر طويل، وأن أمامنا متسعًا لتحقيق كل ما نريد، فإذا بنا نفاجأ بأن السنوات تركض ركضًا، وكأنها تخشى التأخر عن موعدها. الأمس الذي عشنا تفاصيله أصبح ذكرى، والطفولة التي ملأت أيامنا ضجيجًا ولهوًا أصبحت قصةً نرويها لأبنائنا وأحفادنا، والشباب الذي ظنناه لا يشيخ، مرّ كنسمة ربيع، ثم أفسح الطريق لخريف العمر.
ومع كل سنة تمضي، نتغير دون أن نشعر. تتبدل ملامحنا، وتكبر تجاربنا، وتصبح نظرتنا للحياة أكثر هدوءًا وعمقًا. ندرك أن السعادة ليست في كثرة ما نملك، بل في راحة القلب، وأن الغنى الحقيقي هو القناعة، وأن أعظم الانتصارات هي تلك التي نحققها على أنفسنا حين ننتصر على الغضب، والكراهية، والأنانية.
لقد علّمتنا الأيام أن الإنسان قد يخسر مالًا فيعوضه، وقد يخسر فرصةً فتأتيه أخرى، لكنه إذا خسر الوقت فلن يستطيع استعادته مهما امتلك من قوة أو مال. فالوقت هو الثروة الوحيدة التي تتناقص كل يوم، ولا يمكن إيقاف عقاربها أو إرجاعها إلى الوراء.
يا لها من سنوات عجيبة... تدخل حياتنا بأشخاص، ثم تخرج ببعضهم، وتمنحنا أفراحًا، ثم تمتحن صبرنا بالأحزان. تعلمنا أن ليس كل من اقترب منا سيبقى، وليس كل من وعد أوفى، وليس كل الطرق تؤدي إلى ما نشتهي. لكنها في المقابل تكشف لنا معادن البشر، وتمنحنا الحكمة التي لا تُشترى، وتعلّمنا كيف ننهض بعد كل انكسار.
ومع مرور الزمن تتغير أولوياتنا؛ فما كان يشغلنا بالأمس لم يعد يعني لنا شيئًا اليوم. نصبح أكثر ميلًا إلى السكينة، وأقل تعلقًا بالمظاهر، وأكثر حرصًا على سلامة قلوبنا من ضجيج الخصومات. نبحث عن الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والرفقة التي تُطمئن الروح، والدعاء الذي يفتح أبواب الأمل.
إن الأيام لا تقيس أعمارنا بعدد السنين، بل بما زرعناه فيها من خير. فكم من إنسان عاش عمرًا قصيرًا، لكنه ترك أثرًا خالدًا في القلوب، وكم من آخر طال عمره، ولم يترك خلفه سوى الذكر العابر. فالعبرة ليست بطول الحياة، وإنما بحسن الحياة، وبما نقدمه من رحمة، ومحبة، وعطاء، وإحسان.
وحين نقف مع أنفسنا في لحظة صفاء، نسأل: ماذا أخذنا من الدنيا؟ وماذا تركنا فيها؟ هل كنا سببًا في إسعاد أحد؟ هل جبرنا خاطرًا مكسورًا؟ هل سامحنا من أساء إلينا؟ هل قلنا كلمة حق حين كان الصمت أسهل؟ وهل شكرنا الله على نعمه قبل أن نفقدها؟
إن العمر رحلة قصيرة مهما طال، ومحطاته تتبدل بسرعة لا يدركها إلا من تأمل. لذلك لا تؤجل المحبة، ولا تؤجل الاعتذار، ولا تؤجل فعل الخير، ولا تؤجل كلمةً جميلة قد تكون سببًا في إحياء قلب أنهكه التعب. فربما لا يمنحنا الغد فرصةً أخرى.
فلنجعل من كل يوم صفحةً بيضاء نكتب فيها ما يرضي الله، وما يليق بإنسانيتنا. ولنحمل معنا قلبًا متسامحًا، ولسانًا ذاكرًا، وروحًا مؤمنة بأن كل ما يقدره الله خير، وإن خفيت حكمته عن العيون.
أيها الأيام والسنين... إن كنتِ ماضيةً لا محالة، فامنحينا ونحن نعبركِ قلوبًا لا يفسدها الحقد، وأرواحًا لا تكسرها المحن، ونفوسًا تعرف قيمة الوقت قبل أن يصبح ذكرى. واجعلينا ممن يتركون خلفهم أثرًا طيبًا، وكلمةً صادقة، وذكرًا حسنًا يبقى بعد الرحيل.
فما أجمل أن نصل إلى آخر الطريق، وقد امتلأت صحائفنا بالخير، وقلوبنا بالرضا، وألسنتنا بالحمد، وذكرياتنا بما يجعلنا نبتسم ونحن نتأمل رحلة العمر.
فإلى أين تمضي بنا الأيام والسنين؟
إنها تمضي بنا نحو الحقيقة التي لا مفر منها، ونحو لقاء الله، حيث لا يبقى معنا مال ولا جاه ولا منصب، وإنما يبقى العمل الصالح، والقلب السليم، والأثر الجميل الذي تركناه في حياة الآخرين.
فطوبى لمن جعل من أيامه سلّمًا إلى الخير، ومن سنينه بستانًا للعطاء، ومن عمره رسالةً تنشر الرحمة، وتزرع الأمل، وتترك في القلوب نورًا لا ينطفئ.

تعليقات
إرسال تعليق