مش كل «لا» محتاجة مرافعة ناس كتير بتعرف تقول «لا»

 بقلم / تامر فؤاد 

أكيد. الفكرة هنا مش عن «الفحولة» بمعناها الجسدي، لكن عن الثبات، احترام الذات، والقدرة على وضع الحدود من غير عدوان ولا تبرير زائد.

انت لا تحتاج أن تبرر حقك في الرفض

لكن المشكلة مش في كلمة «لا».

المشكلة بتيجي بعدها.

أول ما يلاحظ إن اللي قدامه اتضايق، يبدأ يتوتر:

«معلش أصل…»

«أنا والله مش قصدي…»

«بس الظروف…»

«أصل أنا كنت عايز…»

«معلش متفهمنيش غلط…»

وفجأة تتحول كلمة «لا» البسيطة إلى جلسة محاكمة، وهو المتهم فيها، والطرف التاني هو القاضي، ولازم يثبت إن قراره له أسباب كافية عشان ياخد الموافقة عليه!

وهنا لازم نفهم حاجة مهمة:

أنت مش محتاج موافقة الناس على حدودك.

مش معنى إنك رفضت طلبًا إنك شخص سيئ.

ومش معنى إن حد اتضايق من رفضك إنك غلطان.

أحيانًا الناس مش بتزعل من أسلوبك…

هي بتزعل لأنك ما عملتش اللي هي عايزاه.

ودي حاجة مختلفة تمامًا.

لماذا نخاف من كلمة «لا»؟

لأننا اتربينا أحيانًا على فكرة إن الشخص المحترم هو الشخص اللي يرضي اللي حواليه.

اسمع كلام الناس.

ما تزعلش حد.

خليك طيب.

ساعد مهما كنت تعبان.

وافق عشان ما يقولوش عليك أناني.

فتكبر وأنت رابط بين الطيبة والتنازل.

وبين الاحترام والموافقة.

وبين رفض الطلب وكونك شخصًا سيئًا.

لحد ما توصل لمرحلة تقول فيها «آه» وأنت من جواك عايز تصرخ:

«لأ!»

فتدفع ثمن كلمة «آه» من راحتك، ووقتك، وأعصابك، وأحيانًا من كرامتك.

المشكلة مش في الشرح… المشكلة في الإفراط فيه

طبعًا التوضيح أحيانًا مطلوب.

لما تقول:

«مش هقدر أشارك المرة دي، عندي التزام.»

خلاص.

لكن لو بدأت:

«مش هقدر أصل أنا الفترة دي تعبان شوية، وكمان عندي ظروف في البيت، وبصراحة الفترة اللي فاتت كنت مضغوط، ومش عايز أقولك لأ عشان أنت غالي عندي، بس…»

أنت كده فتحت باب المفاوضات.

لأن كل سبب قلته ممكن يتحول إلى سؤال:

«طب خلّيها الأسبوع الجاي.»

«طب خلص مشوارك وتعالى.»

«طب إيه المشكلة لو عملتها المرة دي؟»

«طب أنا محتاجك بس المرة دي.»

وهكذا…

أنت لم تعد تشرح قرارك.

أنت أصبحت تدافع عنه.

وفي فرق كبير بين الاثنين.

الحدود لا تحتاج إلى عصبية

في ناس لما تكتشف أهمية الحدود، تروح للناحية التانية تمامًا.

تفتكر إن القوة معناها الصوت العالي.

«قلتلك لأ!»

«ماتكلمنيش تاني!»

«أنا حر!»

«ملكش دعوة!»

وده مش ثبات.

ده ممكن يكون مجرد غضب متنكر في شكل قوة.

القوة الحقيقية أهدى من كده.

ممكن تقول:

«أقدر طلبك، لكن مش هقدر أعمله.»

أو:

«فاهم وجهة نظرك، لكن قراري إني أرفض.»

أو ببساطة:

«لا، مش مناسب لي.»

ثم تسكت.

الصمت هنا مش ضعف.

الصمت أحيانًا هو آخر جملة في الكلام.

مش كل شخص لازم يفهمك

دي من أصعب الحقائق اللي ممكن تتعلمها.

أنت ممكن تشرح موقفك بكل احترام، ومع ذلك الشخص اللي قدامك يفضل مش مقتنع.

وده حقه.

لكن عدم اقتناعه مش معناه إنك مطالب بتغيير قرارك.

في ناس مش بتسأل:

«ليه؟»

عشان تفهمك.

هي بتسأل:

«ليه؟»

عشان تلاقي مدخل تغيّر بيه رأيك.

وعشان كده لازم تعرف إمتى يكون الحوار مفيد، وإمتى يتحول إلى ضغط.

لما تلاقي نفسك كررت نفس الإجابة ثلاث مرات بأشكال مختلفة، غالبًا المشكلة مش إنك لم تشرح جيدًا.

المشكلة إن الطرف الآخر لا يريد قبول الإجابة.

«لا» لا تحتاج إلى اعتذار دائم

ممكن تقول:

«آسف، مش هقدر»

وده طبيعي.

لكن خلي بالك من حاجة:

الاعتذار عن عدم القدرة شيء، والاعتذار عن امتلاك حدود شيء آخر.

أنت ممكن تعتذر لأنك سببت إزعاجًا غير مقصود.

لكن مش مطلوب منك تعتذر لمجرد إنك اخترت نفسك هذه المرة.

مش كل «لا» معناها:

«أنا آسف إني إنسان له وقت وطاقة واختيارات.»

دستور الفحول الحقيقي

الفحولة الحقيقية مش إنك تسيطر على الناس.

ولا إنك تخوفهم.

ولا إنك تكسب كل خناقة.

ولا إنك تفرض رأيك على كل اللي حواليك.

الفحولة الحقيقية إنك تملك نفسك قبل ما تحاول تملك الموقف.

تعرف إمتى تقول «نعم».

وتعرف إمتى تقول «لا».

وتعرف إن الاتنين قرارات، مش ردود أفعال.

إنك تكون محترم من غير ما تكون مستباح.

طيب من غير ما تكون ساذج.

متعاون من غير ما تكون متاحًا طوال الوقت.

حازم من غير ما تكون مؤذيًا.

وتعرف إن احترام الآخرين ليك يبدأ من اللحظة اللي أنت فيها بتحترم حدودك.

لا تشرح نفسك حتى يرضى الجميع

الحياة مش هتديك ضمان إن كل الناس هتحب قراراتك.

في حد هيزعل.

حد هيقول عليك متكبر.

حد هيقول إنك اتغيرت.

حد هيقول:

«زمان ماكنتش كده.»

وممكن فعلًا تكون اتغيرت.

بس السؤال الأهم:

اتغيرت للأسوأ؟

ولا اتعلمت أخيرًا تقول لأ لما تكون عايز تقول لأ؟

مش مطلوب منك تكون قاسي.

لكن مطلوب تكون واضح.

ومش مطلوب منك تكسب رضا الجميع.

لأن الإنسان اللي بيعيش طول الوقت عشان ما يزعلش حد، غالبًا بيكتشف في النهاية إنه زعل نفسه طول العمر.

فخلي «لا» عندك هادئة.

محترمة.

واضحة.

ومن غير مرافعة طويلة.

لأنك مش في محكمة.

ومن حقك ترفض… حتى لو الطرف الآخر لم يعجبه الرفض.

دي مش قسوة.

دي حدود.

والحدود لما تتحط باحترام،

مش بتقلل من قيمتك…

دي بتعلّم الناس قيمتك.

وهنا يبدأ دستور الفحول: أن تكون رجلًا يعرف متى يتكلم،

ومتى يشرح،

ومتى يصمت،

ومتى يقول:

«لا.»

ثم يمضي…

من غير ما يلتفت منتظرًا تصفيقًا من أحد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية