جمال مليكة حين تستعيد القاهرة وجهها الذي أخفاه الزمن


كتبت /منى منصور السيد

ليست القاهرة مدينةً تُرى مرة واحدة، ولا وجهًا ثابتًا يستقر في صورةٍ ثم ينتهي. إنها مدينة تُخفي داخل وجهها وجوهًا أخرى، وتترك في الأزقة التي نعبرها على عجل، وفي المقاهي التي لا نلتفت إليها، وفي الجدران التي أكلها الزمن، شيئًا من روحها الأولى. وربما لهذا يبدو الحنين إليها أشبه بمحاولة لاسترداد جزء من الذات؛ فحين نفتقد مكانًا مضى، لا نكون في الحقيقة نفتقد الحجر والشوارع وحدها، وإنما نفتقد النسخة التي كناها ونحن نسكن ذلك المكان. من هنا يبدو معرض الفنان التشكيلي جمال مليكة «حنين للماضي» أكثر من استعادة بصرية لمدينة قديمة؛ إنه محاولة لإيقاظ ذاكرة القاهرة من تحت طبقات التحول، وإعادة الإصغاء إلى نبض مدينة لا تزال، رغم كل ما تبدل حولها، تحتفظ بأصواتها الخفية.




في أعمال مليكة لا تدخل القاهرة من بوابة معالمها الشهيرة، ولا تستعرض أمام العين في صورتها السياحية المألوفة، وإنما تأتي من ممرات أكثر حميمية، من تلك المساحات التي قد تمر بها العين ولا تحفظها الذاكرة إلا بعد أن تفقدها المدينة. الشوارع الضيقة، المناطق الشعبية، المسارح القديمة، المقاهي التقليدية، الزوايا المعمارية المنسية، تفاصيل تبدو عابرة في الحياة اليومية، لكنها في عين الفنان تتحول إلى مفاتيح تفتح أبوابًا واسعة على الزمن. وهذه الرؤية تتصل بجوهر تجربة مليكة الفنية الممتدة منذ سنوات، إذ ظل الماضي والتاريخ والذاكرة المصرية عناصر متكررة في عالمه التشكيلي، من دون أن تتحول إلى استنساخ للماضي أو إعادة إنتاج حرفية له.


ذلك أن جمال مليكة لا يرسم المكان بوصفه جغرافيا صامتة، وإنما يلاحق ما تركه الإنسان فيه. المكان عنده ليس جدرانًا وأبوابًا وشوارع فحسب، بل أثرٌ إنساني يتراكم فوق الحجر، ويمنح الأشياء قدرتها على البقاء بعد أن تتغير وظائفها وتغيب وجوه أصحابها. لذلك تصبح القاهرة في «حنين للماضي» مدينةً تتنفس داخل اللوحة، وتظهر كأنها تستعيد نفسها من شظايا صغيرة؛ أرجيلة يتصاعد منها الدخان، مقهى شعبي يحتفظ بضجيجه القديم، توك توك يعبر المشهد بعفوية المدينة الحديثة، موسيقى تأتي من مكان غير مرئي، ووجوه وحركات وأصوات تتداخل في إيقاع لا يمكن الإمساك به إلا بالذاكرة.


وهنا تحديدًا تتجاوز أعمال مليكة فكرة النوستالجيا بمعناها السهل. فالحنين ليس بكاءً على زمن مضى، ولا رغبة ساذجة في إيقاف عقارب الساعة، وإنما هو فعل مقاومة للنسيان. الفنان لا يريد أن يعيد الماضي كما كان، لأنه يعرف أن الماضي لا يعود، لكنه يريد أن يمنحه فرصة أخرى للحضور؛ أن يعيد قراءة ما تركه الزمن خلفه، وأن يمنح التفاصيل التي سقطت من ذاكرة المدينة مكانًا جديدًا داخل الوعي. ولهذا تتأرجح أعماله بين الماضي والحاضر، فلا يبدو أحدهما منفصلًا عن الآخر، بل كأن الحاضر نفسه يحمل تحت سطحه طبقات من الأزمنة السابقة.


وتكتسب هذه الرؤية عمقًا إضافيًا حين نتأمل المسيرة الفنية لمليكة؛ فالفنان المصري الذي ارتبط جانب مهم من تجربته بإيطاليا، وأقام فيها عقودًا طويلة، ظل يحمل مصر معه في ذاكرته البصرية. ولد في القاهرة وعاش طفولته وصباه فيها، وبدأ اهتمامه بالفن في سن مبكرة، ثم انتقل إلى إيطاليا شابًا في إطار منحة دراسية، ودرس في أكاديمية الفنون الجميلة ببريرا، قبل أن تتسع تجربته الفنية بين الرسم والديكور وفنون المشهد، ويصبح له حضور في الأوساط الفنية الإيطالية والأوروبية.


وربما كان هذا البعد الجغرافي في حياة مليكة أحد أسرار علاقته المتجددة بمصر؛ فالمسافة أحيانًا تجعل المكان أكثر حضورًا، والغربة لا تمحو الذاكرة بقدر ما تعيد ترتيبها. من بعيد تصبح التفاصيل الصغيرة أكثر وضوحًا، ويصبح صوت الشارع القديم أكثر قدرة على اختراق ضجيج الحاضر. لذلك لم تكن مصر بالنسبة إلى مليكة مجرد موضوع تشكيلي، وإنما ظلت ذاكرة ممتدة، تعود في اللون والخط والحركة والرمز، وفي ذلك الشعور العميق بأن الإنسان يستطيع أن يبتعد عن المكان، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يقتلع المكان من داخله. وتصف دراسة منشورة لقطاع الفنون التشكيلية تجربته باعتبارها تجربة شديدة الارتباط بالزمن وبتداخل الماضي مع الحاضر، وبقدرة اللون والخط على استدعاء الذاكرة والتحولات الإنسانية.


وفي «حنين للماضي» يبدو اللون نفسه وكأنه يحمل ذاكرة المكان. الألوان الغنية والدافئة، والدرجات الترابية، وضربات الفرشاة التعبيرية، لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، وإنما تصنع مناخًا زمنيًا كاملًا؛ كأن العين لا تشاهد القاهرة وإنما تستشعر حرارتها ورائحتها وضجيجها وملمس جدرانها القديمة. وهذه من السمات التي عُرفت بها تجربة مليكة؛ فهو لا يتعامل مع اللون باعتباره غطاءً للشكل، بل كقوة قادرة على حمل الانفعال، وصناعة الحركة، وإطلاق المعنى من داخل سطح اللوحة. وقد أشارت الكتابات النقدية المنشورة عن تجربته إلى ثراء ألوانه، وتفاعل الألوان الساخنة والباردة، وإلى حضور الحركة والانفعال في طريقته التعبيرية.


إن القاهرة التي يرسمها مليكة ليست القاهرة التي تنظر إلى نفسها في المرآة الرسمية، بل القاهرة التي تعيش خارج الصورة؛ القاهرة التي تختبئ في المقاهي الشعبية، وفي حكايات المسارح القديمة، وفي زحام الشوارع، وفي العمارة التي لا يلتفت إليها أحد إلا بعدما تبدأ في الاختفاء. إنها القاهرة اليومية، لا القاهرة الاحتفالية؛ المدينة التي صنعتها أجيال متعاقبة وترك كل جيل فيها شيئًا من صوته وملامحه، حتى أصبحت شوارعها أشبه بطبقات جيولوجية للذاكرة.


ولهذا فإن قيمة «حنين للماضي» لا تكمن فقط في موضوعه، وإنما في زاوية النظر التي يقترحها. فمليكة لا يقول لنا إن الماضي أجمل من الحاضر، ولا يدعونا إلى الهروب من المدينة الحديثة، بل يضع الماضي والحاضر وجهًا لوجه، ويترك بينهما مساحة للتأمل. في لوحاته يمكن للفوضى أن تجاور الجمال، ويمكن للقديم أن يتجاور مع الحديث، ويمكن لمشهد بسيط من الحياة اليومية أن يتحول إلى حامل لمعنى إنساني واسع. إنها مدينة تتغير باستمرار، لكنها لا تفقد تمامًا قدرتها على الاحتفاظ بما كان؛ فكل ما يختفي من الشارع قد يبقى في الذاكرة، وكل ما ينهدم في الواقع يمكن أن يستمر في الفن.


ولعل هذا ما يجعل معرض مليكة متصلًا بسياق أوسع في تجربته، حيث ظل الزمن المصري حاضرًا في أعماله بوصفه مادة للتأمل لا مجرد خلفية تاريخية. فقد تناول في تجاربه السابقة رموزًا وأماكن مصرية، وتعامل مع التاريخ بوصفه فضاءً حيًا تتقاطع فيه الذاكرة مع الحاضر، لا بوصفه سجلًا مغلقًا. وفي هذا المعنى يصبح الفنان أشبه بمنقب في الذاكرة؛ لا يبحث عن الأشياء الكبيرة وحدها، بل عن البقايا الصغيرة التي تحمل سر المكان، وعن الأثر الذي يبدو هامشيًا لكنه قد يكون أكثر صدقًا من الصورة المكتملة.


وعندما يستعيد مليكة القاهرة في معرضه الجديد، فإنه يستعيد في الوقت نفسه جزءًا من سيرة مدينة وجزءًا من سيرته الشخصية. فالقاهرة التي عرفها في طفولته وصباه، ثم غادرها إلى فضاء أوروبي بعيد، تعود إليه عبر اللون والذاكرة، لا بوصفها صورة جامدة من الماضي، وإنما بوصفها كائنًا متحركًا يتغير ويقاوم الاختفاء. وهذا ما يمنح «حنين للماضي» حساسيته الخاصة؛ فالمعرض لا يتحدث عن الماضي بقدر ما يجعلنا نشعر به.

 لا يقدم جمال مليكة القاهرة كما كانت، ولا كما ينبغي أن تكون، وإنما كما بقيت في الذاكرة؛ مدينةً لا تنتهي بمجرد أن تتغير شوارعها، ولا تموت بمجرد أن تختفي مقاهيها القديمة أو تتبدل ملامح أحيائها. فثمة مدن تسكن الخرائط، ومدن تسكن الذاكرة، والقاهرة من النوع الثاني؛ كلما حاول الزمن أن يمحو منها تفصيلًا، احتفظ القلب منه بأثر. وفي «حنين للماضي» يتحول هذا الأثر إلى لون، وتتحول الذاكرة إلى لوحة، ويتحول الحنين من شعور عابر إلى فعل إبداعي يعيد للمدينة وجهًا كاد أن يغيب. هكذا يرسم جمال مليكة ما لا تراه العين سريعًا، ويمنح القاهرة فرصة نادرة لأن تنظر إلى ماضيها لا باعتباره زمنًا انتهى، بل باعتباره جزءًا حيًا من روحها التي ما زالت تمشي في الشوارع.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية