تأملات_ناصر_زاهر #العلاج_بالموسيقى #هندسة_الوعي_الموسيقي
كتب / معالى السفير د ناصر زاهر
حين لا تعالج الموسيقى الإنسان بل تعيد اكتشافه
ربما يكون السؤال الخطأ هو
كيف يمكن للموسيقى ان تعالج الإنسان
والسؤال الاكثر عمقا هو
ماذا لو كان الإنسان لا يحتاج ان نعالجه من اختلافه اصلا
ماذا لو كان ما نسميه اضطرابا او اعاقة او قصورا ليس دائما نقصا في الإنسان
بل اختلافا في الطريقة التى يصل بها هذا الإنسان الى العالم
نحن اعتدنا ان ننظر الى الإنسان من خلال ما لا يستطيع فعله
لا يتكلم
لا يتحرك مثلنا
لا ينظر في اعيننا
لا يتعلم بالطريقة التى نعرفها
لا يستجيب عندما نطلب منه
فنضع له اسما
ثم نضع الاسم في ملف
ثم يتحول الملف مع الوقت الى هوية
ويصبح الإنسان في اعيننا هو التشخيص
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية
لأننا في كثير من الاحيان لا نحاول ان نفهم الإنسان
بل نحاول ان نجعله يشبه الصورة التى رسمناها للإنسان الطبيعي
وهنا تظهر الموسيقى من مكان مختلف تماما
الموسيقى لا تسأل الإنسان
لماذا لا تتكلم مثلنا
ولا تسأله
لماذا لا تتحرك مثلنا
ولا تطلب منه ان يثبت انه طبيعي
الموسيقى تقول له شيئا اكثر انسانية
تعال كما انت
سنصنع معا مساحة تستطيع ان تكون موجودا فيها
وهنا يتحول العلاج بالموسيقى من محاولة اصلاح الإنسان الى محاولة فتح الطريق امامه
وهذا في رأيي احد اخطر التحولات التى يمكن ان تحدث في فلسفة العلاج بالموسيقى
لأن الهدف ليس دائما ان نجعل الإنسان افضل وفقا لمعاييرنا
بل ان نجعله اكثر قدرة على الوجود والتواصل والمشاركة والتعبير وفقا لقدراته هو
طفل لا يستطيع الكلام
قد يستطيع ان يختار صوتا
وقد يستطيع ان ينتظر دوره
وقد يستطيع ان يقلد ايقاعا
وقد يستطيع ان يطلب التكرار
وقد يستطيع ان ينظر للحظة
وقد يستطيع ان يبتسم عندما يعرف ان دوره قد جاء
كل هذه الاشياء قد تبدو صغيرة لمن ينظر من الخارج
لكنها بالنسبة للإنسان قد تكون لغة كاملة
وهنا لا تكون الموسيقى مجرد وسيلة علاج
بل تصبح مساحة للعدالة
عدالة ان يكون للإنسان صوت حتى لو لم يكن صوته كلاما
وعدالة ان يكون له اختيار حتى لو كان اختياره حركة بسيطة
وعدالة ان يكون له حضور حتى لو لم يكن حضوره يشبه حضور الآخرين
وهذا يجعلني ارى الموسيقى بطريقة مختلفة
الموسيقى ليست فقط فنا
وليست فقط صوتا
وليست فقط ذبذبات
وليست وصفة جاهزة للشفاء
الموسيقى في جوهرها مساحة زمنية مشتركة
أنا ادخل عالمك
وانت تدخل عالمي
ونحن معا نخلق لحظة لا تحتاج فيها ان تكون مثلي ولا احتاج انا ان افرض عليك طريقتي
نحن فقط نلتقي
على نبضة
او صوت
او حركة
او صمت
وهنا يحدث شيء شديد العمق
الإنسان الذي ظل المجتمع يراه من خلال عجزه
يبدأ في اختبار نفسه من خلال قدرته
وهذه النقلة وحدها قد تغير الكثير
لأن النفس لا تتغذى فقط على النجاح
بل تتغذى ايضا على الشعور بأن وجودها له قيمة
وحين يشعر الإنسان ان هناك من ينتظر صوته
ومن ينتظر حركته
ومن يلاحظ اختياره
ومن يترك له مساحة
فإنه لا يتعلم الموسيقى فقط
بل يتعلم معنى جديدا لوجوده
ولهذا انا لا اريد للعلاج بالموسيقى ان يكون غرفة نحاول فيها اصلاح المختلف
بل مساحة نكتشف فيها ما لم نكن نراه
لا اريد ان نسأل فقط
ماذا ينقص هذا الإنسان
بل نسأل
ماذا يملك ولم نكتشفه بعد
لا اريد ان يكون الهدف دائما
كيف نجعله مثل الآخرين
بل
كيف نساعده ان يصل الى اقصى ما يستطيع ان يكونه هو
وهنا تتغير فلسفة العمل كلها
المعالج لا يصبح قائدا يمسك بالعصا ويوجه الجميع
بل يصبح مستكشفا
ينصت
يراقب
يجرب
ينتظر
ثم يكتشف المفتاح الخاص بكل إنسان
فقد يكون المفتاح نغمة
وقد يكون ايقاعا
وقد يكون حركة
وقد يكون اغنية قديمة
وقد يكون صمتا
وقد يكون مجرد لحظة يشعر فيها الإنسان ان هناك من فهمه دون ان يطلب منه ان يشرح نفسه
وهذا هو الاستثناء الحقيقي في العلاج بالموسيقى
اننا لا نعالج الإنسان من كونه مختلفا
بل نعالج المسافة التى صنعتها الحياة بينه وبين الآخرين
نحن لا نحاول محو الاختلاف
بل نبني جسرا فوقه
وهنا يصبح العلاج بالموسيقى اكبر من جلسة
واكبر من آلة
واكبر من اغنية
انه موقف فلسفي من الإنسان
يقول
انت لست ملفا
ولست تشخيصا
ولست مجموعة من الاعراض
ولست ما عجزت عن فعله
انت إنسان كامل القيمة
حتى لو كانت طريقتك في التعبير مختلفة
ومن هنا يمكن ان تبدأ موسيقى جديدة
ليست الموسيقى التى نسمعها بآذاننا فقط
بل الموسيقى التى تجعلنا نعيد سماع الإنسان نفسه
وربما يكون مستقبل العلاج بالموسيقى الحقيقي
ليس في ان نكتشف كيف نعزف للإنسان
بل في ان نتعلم كيف نصغي اليه
حتى عندما لا يعزف
حتى عندما لا يتكلم
حتى عندما لا يتحرك
لأن بعض البشر لا يحتاجون من يأتي ليصلحهم
بل يحتاجون من يأتي ليكتشف اللغة التى كانوا يتحدثون بها طوال الوقت
لكننا كنا مشغولين جدا بتعليمهم لغتنا
ولم نحاول يوما ان نتعلم لغتهم
وهنا
قد لا تكون الموسيقى هي العلاج
بل قد تكون اللحظة التى اكتشفنا فيها اخيرا
ان الإنسان كان يتحدث معنا طوال الوقت

تعليقات
إرسال تعليق