من منصات التخرج إلى طاحونة الخبز وإلي مصانع الملح صرخة صامتة لمهندسي مصر في غياب النقابة

كتبت /م. ولاء الشافعى 

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً صورتين تلخصان أزمة جيل كامل من شباب المهندسين في مصر، وتضعان علامات استفهام كبرى حول الدور الغائب لنقابة المهندسين. الصورة الأولى لشاب في مقتبل العمر، يحمل شهادة تخرجه بابتسامة تملأ وجهه وفخر يكسو ملامحه بعد سنوات من الكفاح في الدراسة، ليجد نفسه في الصورة المقابلة واقفاً بملابس العمل داخل مخبز  داخل فرن خبز تحاصره الأتربة وتغسل ملامحه ذاتها التي كانت تبتسم بالأمس.

أما الصورة الثانية فتعكس مأساة أعمق لمهندس مدني خريج إحدى أعرق الجامعات المصرية (هندسة عين شمس)، وهو يقف وسط تلال من الملح  حاملاً "كوريك" للعمل اليدوي الشاق، في مشهد لا يعكس فقط قسوة الواقع، بل يعلن بوضوح عن ضياع قيمة العلم والشهادة الأكاديمية الرفيعة.

الفجوة بين تطلعات التخرج وقسوة الواقع

تختزل هاتان الصورتان مشهداً متكرراً لآلاف الخريجين سنوياً. يخرج الشاب من كليته محملاً بأحلام بناء المستقبل وتطوير الوطن، ليصطدم بسوق عمل لا يرحم؛ رواتب متدنية في القطاع الخاص لا تكفي لتغطية تكاليف المواصلات، واحتكار للمهن، وغياب تام للفرص العادلة. هذا التدهور يجبر الكفاءات الهندسية على التنازل عن شغفها وشهاداتها، والانخراط في أعمال بدنية شاقة لمجرد كسب قوت يومهم، مما يمثل هدراً قومياً للطاقات البشرية والعقول التي أنفقت الدولة والأهالي الغالي والنفيس لتعليمها.

أين نقابة المهندسين من هذه المآسي؟

أمام هذه النماذج الصارخة، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا تقدم نقابة المهندسين لأعضائها الشباب؟

يرى الكثير من الأعضاء أن النقابة تحولت مع الوقت إلى مجرد مؤسسة لتحصيل الاشتراكات والرسوم، دون تقديم حماية حقيقية للمهندس في سوق العمل. وأصبحت  الانتخابات لمن تطول حياته فيها وتصبح إرث لايجوز التخلي عنها إلا بالموت ويصبح الكرسي هو العزيز ويتلخص تقصير النقابة تجاه هؤلاء الشباب في النقاط التالية:

• غياب تحديد حد أدنى عادل للأجور:

 تترك النقابة المهندس الخريج فريسة لشركات المقاولات والقطاع الخاص التي تفرض رواتب ضئيلة لا تتناسب مع مشقة المهنة أو قيمة الشهادة.

• إهمال ملف التوظيف والتدريب: تفتقر النقابة إلى آليات أو منصات قومية فاعلة لربط الخريجين بسوق العمل الحقيقي، أو تقديم برامج تدريبية مجانية متطورة تؤهلهم للمشروعات الكبرى.

• التخاذل في حماية كرامة المهنة: إن وقوف مهندس مدني من جامعة عريقة خلف أدوات العمالة اليدوية غير الماهرة هو دليل على غياب الرقابة النقابية على تنظيم المهن وحظر استغلال أصحاب الشهادات في أعمال مهينة لتخصصاتهم.

صرخة لإنقاذ ما تبقى

إن هاتين الصورتين ليستا مجرد حالتين فرديتين، بل هما جرس إنذار يعلن أن الأمن القومي الهندسي في مصر يواجه أزمة حقيقية. إذا استمرت النقابة في تجاهل قضايا شبابها والاكتفاء بمشاهدة عقولها وهي تطحن داخل المعامل والمحاجر والمطاحن، فإن الانتماء لهذا الكيان العريق سينعدم تماماً. يحتاج الشباب اليوم إلى نقابة قوية تفرض شروطها لحمايتهم، وتدعم تشغيلهم، لتعود تلك الابتسامة المفقودة إلى وجوههم خلف المكاتب الهندسية ومواقع البناء الفيدرالية، وليس خلف مغارف الإسمنت وغبار المطاحن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية