أدب المسافة فلسفة الحضور الذكي والحدود المرنة
كتبت /د. ولاء عابد
في سعينا الدائم لبناء الروابط سواء في مساحات العلاقات الشخصية أو في أروقة العمل والبيئات المؤسسية نقع كثيرا في فخ يهدد استدامة هذه العلاقات دون أن نشعر وهو غياب "أدب المسافة".
فنحن إما نندفع بالقرب المفرط الذي يلغي الحدود ويتجاوز الخصوصيات أو نبالغ في الابتعاد والجفاء الذي يبني الأسوار ويقطع جسور التواصل.
وفي كلا الحالين نفقد التوازن الفطري الذي يحمي الإنسان ويصون العلاقات من التآكل.
إن أدب المسافة ليس جفاء ولا اندفاعا بل هو مفهوم رفيع يقوم على "الاحترام المتبادل والمساحة الآمنة".
هو أن تدرك أن لكل إنسان مساحة نفسية وفكرية يحتاج أن يتنفس فيها وأن القرب الصادق لا يعني الانتهاك والود الحقيقي لا يتطلب الوصاية.
فالأشجار العظيمة في الطبيعة لا تنمو وتثمر إذا ازدحمت ببعضها حتى حجبت النور بل تجد سرها في أن تجاور بانسجام مع ترك مسافة تسمح للجذور بالامتداد وللأوراق بالتعرض للشمس.
وفي الشرائع السماوية والأخلاق الإنسانية جاءت الإشارات جلية في صيانة المساحات الشخصية واحترام الاستقلالية ففي القرآن الكريم تتجلى أدبيات الاستئذان والاستئناس صراحة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾ (النور: 27) لتؤكد أن الدخول إلى مساحات الآخرين —سواء كانت بيوتا أو نفوسا— يتطلب إرادة واعية واستئذانا لطيفا.
وفي الهدي النبوي يعلمنا النبي ﷺ ميزان الاعتدال في المشاعر والتقارب في قوله: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا» (رواه الترمذي) وهو توجيه يتسامى بالوعي النفسي نحو الاتزان والابتعاد عن الاندفاع المهلك.
وفي الكتاب المقدس تتجلى حكمة التوقيت والمسافات في القول: «لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ» (الجامعة 3: 1)، لترسخ أن النضج يكمن في مراعاة إيقاع الحياة والمسافات الفاصلة بين المواقف.
أما على الصعيد المؤسسي والإداري فإن غياب أدب المسافة يتسبب في كثير من الأزمات التنظيمية فالقيادة التي تفتقر لمهارة تحديد الحدود تقع إما في ممارسات "الإدارة التفصيلية الخانقة" (Micromanagement) التي تسلب الكوادر استقلاليتها وثقتها أو في "التساهل المفرط" الذي يذيب الفوارق المهنية ويؤدي إلى تداخل الصلاحيات وضعف المساءلة.
إن القيادة الرشيدة هي التي تتقن حفظ المسافة المهنية الآمنة مسافة تجمع بين الاحتواء والدعم الإنساني من جهة وبين صيانة الهيكل التنظيمي واحترام التخصصات من جهة أخرى.
إن الوعي الحقيقي يمنح المرء القدرة على أن يكون حاضرا بدفئه وعطائه ومبتعدا بحكمته واحترامه.
فالنفوس النبيلة هي التي تتقن فن "الحضور الذكي" تتواجد حين يحتاج إليها وتتراجع بلطف حين تتطلب الحكمة إعطاء المساحة فتظل حاضرة في القلوب بقدر ما هي محترمة في الحدود.
أن نتبنى "أدب المسافة" يعني أن نختار الأثر الباقي على حساب التملك الشكلي.
إن أجمل العلاقات وأكثر المؤسسات استقرارا هي تلك التي تبنى على التقدير الواعي حيث يعرف كل فرد أين يقف وكيف يحب وكيف يعمل.. دون أن يطأ حديقة غيره.

تعليقات
إرسال تعليق