الأصدقاء هم العائلة الثانية التي نختارها بمحض إرادتنا
كتب /معالى اللواء د. م سامى محمود دنيا
الصداقة ليست مجرد معرفة عابرة، ولا مجموعة من الأسماء التي تزدحم بها هواتفنا وصفحاتنا، وإنما هي اختيارٌ إنساني عميق؛ أن تجد شخصًا لا تربطك به صلة دم، ومع ذلك تشعر أنه أقرب إليك من كثيرين تجمعك بهم صلة الدم.
فالأصدقاء هم العائلة الثانية التي نختارها بإرادتنا، نفتح لهم أبواب قلوبنا دون إجبار، ونمنحهم ثقتنا دون عقود أو مواثيق، ونشاركهم تفاصيل حياتنا لأننا وجدنا فيهم شيئًا نادرًا اسمه الأمان.
الصديق الحقيقي لا يُقاس بعدد سنوات المعرفة، وإنما بالمواقف التي كشفت معدنه.
لا تحتاج الصداقة الصادقة إلى كثرة الكلام، فهناك صديق يكفي حضوره ليطمئن قلبك، وتكفي نظرة من عينيه ليعرف أنك متعب، وكلمة واحدة منه لتشعر أنك لست وحدك.
الصديق الوفي هو من يبقى عندما تتغير الظروف، ويظل بجانبك عندما تقل المكاسب، ولا يحوّل أسرارك إلى حكايات، ولا يستخدم نقاط ضعفك سلاحًا ضدك.
والصداقة الحقيقية ليست أن نتفق دائمًا، وإنما أن نختلف دون أن نفقد الاحترام، وأن نعاتب دون تجريح، وأن نختلف في الرأي دون أن نختلف في الود.
ولأن الصداقة اختيار متبادل، فهناك مسؤولية تقع على عاتق كل منا؛ فإذا أردت صديقًا صادقًا، فكن أنت أولًا صادقًا، وإذا أردت الوفاء، فكن وفيًا، وإذا أردت من يحفظ سرك، فاحفظ أسرار الآخرين.
فلا تطلب من الناس ما لا تستطيع أن تقدمه لهم.
كن الشخص الذي إذا غاب افتقده الآخرون، وإذا حضر شعروا بالطمأنينة، وإذا تحدثوا عنه قالوا:
“كان إنسانًا أصيلًا… لم يتغير بتغير الظروف.”
والحياة تعلمنا مع مرور الأيام أن كثرة الأصدقاء ليست ثروة، وأن امتلاء قائمة الأسماء لا يعني امتلاء القلب بالمحبين.
قد يكون لك مئات المعارف، لكنك في وقت الشدة تبحث عن شخص واحد فقط…
شخص لا يسألك: ماذا سأستفيد؟
بل يقول لك: أنا بجانبك.
وهنا يظهر الفرق بين صديق المصلحة وصديق العمر.
صديق المصلحة يقترب حين تكون أبوابك مفتوحة، ويختفي عندما تحتاج إلى من يفتح لك بابًا.
أما الصديق الحقيقي، فيظهر معدنه عندما تضيق بك الدنيا، ويصبح وجودك أنت هو المصلحة الوحيدة التي يبحث عنها.
ولذلك، لا تجعل الصداقة مجرد أخذ وعطاء، ولا تجعلها دفتر حسابات:
من اتصل؟
من سأل؟
من بادر؟
من أعطى أكثر؟
فأجمل الصداقات هي التي لا تحتاج إلى ميزان، لأن الطرفين يعرفان أن المحبة الصادقة لا تُقاس بالحسابات.
لكن الوفاء لا يعني أن تتمسك بمن يؤذيك، ولا أن تمنح ثقتك لمن أثبت أنه لا يستحقها.
أحيانًا يكون الابتعاد عن بعض الأشخاص احترامًا للنفس، وليس قسوة.
وأحيانًا يكون الصمت عن بعض التصرفات حكمة، وليس ضعفًا.
وأحيانًا تكون نهاية الصداقة درسًا نتعلم منه أن ليس كل من دخل حياتنا كُتب له أن يبقى فيها.
فاختر أصدقاءك بعناية، واحفظ من يستحق، وابتعد بهدوء عمن لا يعرف قيمة الوفاء.
وتذكر دائمًا:
الصديق الحقيقي لا يحتاج منك أن تكون كاملًا، بل يحتاج منك أن تكون صادقًا.
ولا يبحث عن إنسان بلا أخطاء، وإنما عن إنسان إذا أخطأ اعترف، وإذا وعد أوفى، وإذا أحب أخلص.
وفي النهاية…
الأصدقاء بالفعل هم العائلة الثانية التي نختارها بمحض إرادتنا، ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه لهذه العائلة التي اخترناها هو الصدق، والوفاء، وحفظ العِشرة، واحترام الغياب، والوقوف وقت الحاجة.
فكن صادقًا حتى تستحق الثقة…
وكن وفيًا حتى تستحق البقاء…
وكن أصيلًا حتى إذا غبت، تركت خلفك أثرًا جميلًا في القلوب.
فليس المهم أن يكون لك أصدقاء كثيرون… المهم أن يكون لديك أصدقاء إذا مالت بك الدنيا، أسندوْك، وإذا ضاقت بك الحياة، وسّعوا لك قلوبهم، وإذا غبت، حفظوا لك مكانك.
الصداقة الحقيقية ليست أن نجد من يمشي معنا طوال الطريق، بل أن نجد من إذا تعثّرنا، انحنى ليرفعنا، وإذا تعبنا، انتظرنا، وإذا ابتعدنا، ظل يحمل لنا في قلبه أجمل الذكريات.
فكن صديقًا يستحق أن يُختار… قبل أن تبحث عن صديق يستحق أن تختاره.
خالص تحياتي لكم جميعًا
وصلّوا على الحبيب المصطفى بحبكم في الله

تعليقات
إرسال تعليق