هل نشتري الأشياء أم نشتري صورتنا أمام الآخرين؟


كتبت /د. الشيماء الدسوقي المشد

أستاذ مشارك إدارة الأعمال – التسويق- كليات الشرق العربي 


تقف أمام حقيبة أعجبتك، تتأمل تصميمها ولونها، ثم تبحث بعينيك عن العلامة التي تحملها. يعجبك هاتفك ويؤدي ما تحتاج إليه، لكنك تشعر أنه أصبح قديمًا حين يضع أحدهم الإصدار الأحدث على الطاولة. تختار مطعمًا لعشاء هادئ، ثم تتوقف عند سؤال لم يكن حاضرًا في البداية: كيف سيبدو المكان في الصور؟


في مثل هذه اللحظات، يستحق قرار الشراء أن نتأمله قليلًا. ما الذي نبحث عنه فعلًا؟ منفعة نحصل عليها، أم شعور ننتظره، أم صورة نرغب في أن يراها الآخرون؟


تحمل الأشياء في حياتنا معاني تتجاوز استخدامها المباشر. فقد يذكّرنا عطر بشخص نحبه، وتعبر قطعة ملابس عن ذوقنا، وتمثل هدية تقديرًا نعجز عن صياغته بالكلمات. لذلك، لا تنحصر قيمة ما نشتريه في وظيفته المادية؛ فالمعنى جزء من علاقتنا الطبيعية بالأشياء. لكن السؤال يصبح أكثر أهمية عندما تتراجع رغبتنا الشخصية أمام رغبتنا في إثارة إعجاب الآخرين، ويصبح امتلاك الشيء وسيلة لإثبات أننا ناجحون، أو مواكبون، أو جديرون بالانتماء.


لنتخيل شخصًا يختار ساعة لأنه يحب تصميمها، وآخر يختار الساعة نفسها لأنه يخشى أن يبدو أقل مكانة بين زملائه. المنتج واحد، لكن الدافع مختلف. الأول يعرف ما الذي يعجبه، أما الثاني فقد وضع رضاه عن اختياره في يد جمهور لا يستطيع ضمان رأيه. ومهما بلغ ثمن الساعة، فإنها لن تمنحه ضمانًا دائمًا بالقبول الذي يبحث عنه.


هنا تظهر قوة المعاني التي يصنعها التسويق حول المنتجات. فالإعلان قد يربط السيارة بالنجاح، والعطر بالجاذبية، والمنزل بالاستقرار، والملابس بالثقة. وهي روابط يمكن أن تمنح المنتج شخصية واضحة وتساعد المستهلك على التعبير عن نفسه. غير أن الرسالة تستحق التوقف حين توحي بأن الاحترام يُشترى، أو أن السعادة تنتظر خلف عملية دفع، أو أن الإنسان ينقصه شيء في قيمته ما دام لا يمتلك منتجًا بعينه.


ومع منصات التواصل، قد يتسع جمهور اختياراتنا ليشمل أشخاصًا لا نعرفهم. يصبح من السهل أن نتخيل نظرتهم قبل أن نقرر: هل سيبدو هذا المكان مميزًا؟ هل هذه الملابس مناسبة للصورة؟ وهل يستحق ما اشتريته أن أعرضه؟ عندها يمكن أن تدخل عين المتابع إلى تفاصيل القرار، حتى وهو غائب عن المكان.


تبدأ المشكلة حين نقارن حياتنا الكاملة بما اختار الآخرون إظهاره منها. نرى رحلة، وهدية، وسيارة، ومائدة أنيقة، لكننا لا نرى بالضرورة ظروف أصحابها أو أولوياتهم أو التزاماتهم. ومع ذلك، قد نجمع هذه المشاهد المتفرقة في صورة واحدة لما نظن أنه «الحياة الطبيعية»، ثم نحاسب أنفسنا على المسافة التي تفصلنا عنها.


وفي محاولة تقليص هذه المسافة، قد نشتري أشياء لم تكن ضمن احتياجاتنا، أو نؤجل هدفًا أهم من أجل مظهر عابر. وقد يتحول الفرح بالشراء إلى قلق بشأن الخطوة التالية: ماذا سأرتدي في المناسبة المقبلة؟ وكيف أحافظ على المستوى الذي اعتاد الناس رؤيتي به؟ وهكذا يصبح للصورة التي صنعناها ثمن متجدد، تدفعه ميزانيتنا وراحتنا معًا.


بالطبع، من حق الإنسان أن يستمتع بما يكسبه، وأن يحب الأناقة والجودة والمنتجات الفاخرة. ولا يكفي ارتفاع السعر للحكم على قرار بأنه استعراضي؛ فقد يكون الاختيار مدروسًا، ومناسبًا للقدرة المالية، ومصدرًا لمتعة حقيقية. ما يستحق المراجعة هو الدافع الذي يقودنا، وحجم ما نتنازل عنه لإرضائه.


وربما يساعدنا سؤال بسيط قبل بعض المشتريات: لو لم يعرف أحد أنني أملك هذا الشيء، فهل سأظل أرغب فيه؟ ويمكن أن نسأل أيضًا: هل يناسب حياتي؟ هل أستطيع تحمّل تكلفته براحة؟ وهل أشتريه لأنني أريده، أم لأنني أخشى ما قد يظنه الآخرون إن لم أمتلكه؟


هذه الأسئلة تمنحنا فرصة لاستعادة القرار. كما تضع أمام المؤسسات مسؤولية تقديم رسائل تحترم المستهلك، وتبرز جودة المنتج وقيمته، دون استغلال خوفه من الاستبعاد أو شعوره بأنه أقل من غيره.


في النهاية، تستحق أموالنا أن تخدم الحياة التي نريد أن نعيشها. وحين نعرف ما نحب، وما نحتاج، وما نستطيع، يصبح الاستمتاع بالأشياء أكثر هدوءًا وصدقًا. ولعل أجمل ما نصل إليه هو أن نختار شيئًا نحبه، ونستخدمه بسعادة، حتى لو لم يره أحد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني