سمير فرج حين تتحول ذاكرة الجندي إلى ذاكرة وطن
كتبت /منى منصور السيد
ليست كل حياة تُقاس بعدد السنوات التي عبرت فوقها، فثمة أعمار تتحول إلى خرائط، وكل محطة فيها تصبح نافذة تطل على زمن كامل. وفي سيرة اللواء أركان حرب دكتور سمير سعيد محمود فرج، تبدو مصر حاضرة لا بوصفها مكانًا فحسب، وإنما بوصفها زمنًا متصلًا من الحرب والسلام، ومن الميدان إلى قاعة الدرس، ومن غرفة العمليات إلى المسرح، ومن ساحة المعركة إلى مدينة الأقصر، ومن ذاكرة الجندي إلى أسئلة الأمن القومي والاستراتيجية. إنها سيرة رجل لم يقف عند حدود الوظيفة التي حملها، وإنما ظل ينتقل من موقع إلى آخر حاملاً معه سؤالًا واحدًا يتغير شكله ولا يتغير جوهره: كيف تُصان الدولة، وكيف تتحول خبرة الإنسان إلى معرفة تستطيع الأجيال التالية أن تقرأ بها وطنها؟
من بورسعيد، المدينة التي عرفت معنى البحر ومعنى المقاومة، بدأت الحكاية في 14 يناير، حين وُلد سمير سعيد محمود فرج، قبل أن تأخذه خطواته الأولى إلى الكلية الحربية، حيث تخرج عام 1963 بتقدير امتياز، والتحق بسلاح المشاة، ثم بدأ مسارًا عسكريًا طويلًا تدرج خلاله في المناصب حتى وصل إلى قيادة فرقة مشاة ميكانيكي. ولم يكن الميدان وحده هو الذي يصوغ شخصيته؛ فمنذ البدايات كان التعليم العسكري، ثم التفكير الاستراتيجي، يسيران إلى جوار التجربة العملية، حتى أصبح الميدان بالنسبة إليه مدرسة، وأصبحت المدرسة امتدادًا للميدان.
وحين دخلت مصر سنواتها الأكثر اضطرابًا في تاريخها العسكري الحديث، كان سمير فرج واحدًا من أبناء المؤسسة التي عاشت تلك التحولات من الداخل. شارك في حرب اليمن، ثم حرب يونيو 1967، وحرب الاستنزاف، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973؛ وهي مراحل لم تكن مجرد تواريخ متجاورة في حياته، وإنما كانت طبقات متراكمة من التجربة، صنعت لاحقًا رؤيته للحرب والدولة والأمن القومي. وقد حمل جانبًا من هذه الذاكرة إلى كتابه «وداعًا للسلاح.. سيرة محارب»، ليصبح ما عاشه في الميدان مادة للشهادة، وما تعلمه في غرف العمليات مادة للقراءة والتحليل.
وفي حرب أكتوبر، اتخذت تجربته موقعًا أكثر خصوصية؛ فقد كان ضمن هيئة عمليات القيادة العامة للقوات المسلحة، وتصفه جامعة عين شمس بأنه كان ضابط عمليات في «مركز 10»، وكان آنذاك من أصغر الضباط سنًا ورتبة في هذا الموقع. وفي شهادة منشورة له، أوضح أن ترتيبه الأول في كلية أركان الحرب كان سببًا في انتقاله إلى هيئة العمليات، رغم صغر رتبته قياسًا بما كان معتادًا في تلك الهيئة، وهناك أصبح مسؤولًا عن تلقي الإشارات من قيادات الجيوش والقيادة. وهنا تتضح إحدى أهم مفاتيح تجربته؛ فقد عرف الحرب من موضع المقاتل، لكنه عرفها أيضًا من موضع من يراقب حركة المعلومات، ويتابع الإشارات، ويشارك في منظومة العمليات واتخاذ القرار. كانت الحرب بالنسبة إليه جبهةً وسؤالًا في آن واحد، وميدانًا للقتال وميدانًا للمعلومة.
ولم يكتف الرجل بما تمنحه الخبرة وحدها، بل واصل بناء معرفته العسكرية والأكاديمية. حصل على كلية أركان الحرب المصرية، الدورة 25 عام 1973، بتقدير امتياز، وكان الأول على دفعته، ثم ذهب إلى كلية كمبرلي الملكية لأركان الحرب في إنجلترا عام 1974، وحصل فيها كذلك على تقدير امتياز وكان الأول على دفعته. ولم تنته علاقته بكمبرلي عند حدود التخرج؛ فقد أصبح مدرسًا بها، وتذكر سيرته المنشورة أنه كان أول ضابط من خارج دول حلف الناتو والكومنولث يُعيّن مدرسًا في الكلية. وفي هذا الانتقال من مقعد الطالب إلى موقع المعلم، كان واضحًا أن المعرفة العسكرية عنده لم تعد مجرد شهادة، وإنما تحولت إلى مسؤولية في نقل الخبرة وصياغة الفكر.
ثم اتسعت الدائرة أكثر، فحصل على ليسانس الآداب من قسم التاريخ بجامعة عين شمس عام 1979، وعلى دبلوم إدارة الأعمال من الولايات المتحدة عام 1982، ثم حصل على درجة الدكتوراه في موضوع دور الإعلام في إعداد الدولة لتحقيق الأمن القومي المصري. وهكذا أخذت ملامح الشخصية تتجمع في صورة أكثر اتساعًا؛ ضابطًا درس الحرب، ومؤرخًا يقرأ جذورها، وإداريًا يتعامل مع أدوات الدولة، وباحثًا ينظر إلى الإعلام باعتباره جزءًا من منظومة الأمن القومي. لم يعد السلاح وحده هو مجال اهتمامه، بل أصبحت المعرفة والمعلومة والوعي جزءًا من المعركة التي يفهمها.
وخلال خدمته في القوات المسلحة، تولى عددًا من المواقع المهمة؛ فعمل في هيئة العمليات، وفي هيئة البحوث العسكرية، ودرّس في معهد المشاة، كما قام بالتدريس في كلية القادة والأركان المصرية، وتولى منصب مدير مكتب مدير عام المخابرات الحربية، ثم عمل ملحقًا عسكريًا لمصر في تركيا خلال الفترة من 1990 إلى 1993، قبل أن يتولى إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة خلال الفترة من 1993 إلى 2000. وكانت هذه المواقع، على اختلافها، تكشف عن مسار لم يعد ينظر إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها تشكيلات وسلاحًا فقط، وإنما باعتبارها منظومة متكاملة من التدريب والتخطيط والمعلومة والدبلوماسية والمعنويات.
وفي إدارة الشؤون المعنوية، امتدت تجربته سبع سنوات، من 1993 إلى 2000، وهي مرحلة تركت أثرًا واضحًا في مساره. وتنسب إليه سيرته خلال تلك الفترة إنشاء أول مركز للصوتيات والمرئيات بالقوات المسلحة، وإنشاء مركز إعلامي عسكري، وإنشاء مركز للشؤون النفسية للقوات المسلحة، إلى جانب تنظيم وإدارة الندوة العسكرية بمناسبة مرور خمسة وعشرين عامًا على حرب أكتوبر، وتنظيم دورات التوعية لقادة القوات المسلحة الجدد، وتطوير بعض الخدمات والأنشطة الاجتماعية الخاصة بضباط الصف وأسرهم، وتطوير النشاط الديني وإصدار مرجع للخطبة الموحدة في القوات المسلحة. وفي تلك السنوات كان مفهوم المعنويات والإعلام العسكري وإدارة الصورة والمعلومات يتقاطع، في تجربته، مع اهتمامه الأكاديمي بالأمن القومي، لتصبح المعركة في تصوره أوسع من حدود الرصاصة، وأشد تعقيدًا من حركة الوحدات على الأرض.
ومن المحطات اللافتة في سيرته ما ارتبط بمناظرته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون حول حرب أكتوبر، وهي الواقعة التي ارتبطت برحلته في إنجلترا وبظهوره في الإعلام البريطاني، ثم أصبحت جزءًا من الذاكرة العامة لمسيرته، كما يروي تفاصيلها في كتابه «وداعًا للسلاح.. سيرة محارب». وفي مثل هذه الشهادات لا يعود التاريخ مجرد رواية محفوظة في الكتب، وإنما يصبح صوتًا لمن عاش جزءًا منه، وعرف بعض تفاصيله من داخل المؤسسة التي صنعت الحدث.
لكن نهاية الخدمة العسكرية لم تكن نهاية المسيرة؛ كانت، على العكس، بداية فصل جديد منها. انتقل إلى العمل المدني، فتولى منصب وكيل أول وزارة السياحة عام 2000 لفترة قصيرة، وارتبط عمله خلال هذه المرحلة بمتابعة وتقييم المنشآت الفندقية والسياحية، خصوصًا في شرم الشيخ والغردقة. ثم انتقل إلى رئاسة دار الأوبرا المصرية، حيث دخل إلى عالم مختلف تمامًا عن عالم الثكنات وغرف العمليات. ووفق ما تذكره جامعة عين شمس، تولى إدارة دار الأوبرا المصرية خلال الفترة من 2000 إلى 2004، لتضاف إلى سيرته صفحة ثقافية وفنية تضع الموسيقى والمسرح والفنون في جوار التاريخ العسكري والإدارة والأمن القومي.
ومن الأوبرا إلى الأقصر، جاءت واحدة من أكثر التجارب المدنية دلالة في حياته. تولى رئاسة المجلس الأعلى لمدينة الأقصر عام 2004، ثم تحولت الأقصر إلى محافظة عام 2009، فأصبح أول محافظ لها، واستمر في منصبه حتى عام 2011. وفي مدينة تختصر آلاف السنين من الحضارة المصرية، دخل الرجل القادم من المؤسسة العسكرية إلى اختبار آخر: كيف يمكن إدارة مدينة لا تنتمي إلى حاضرها وحده، لأنها تحمل على كتفيها ماضي أمة كاملة؟ وكيف يمكن أن تتحول الآثار من ذاكرة جامدة إلى قوة تنموية وسياحية واقتصادية حية؟
ارتبط اسمه خلال هذه المرحلة بخطة لتنمية الأقصر شملت تطوير البنية الأساسية، ودعم النشاط السياحي، والحفاظ على المناطق الأثرية، وتنمية المناطق المحيطة بالمواقع الأثرية، وفتح مجالات جديدة للاستثمار، وتطوير السياحة الرياضية، ووضع رؤية تنموية طويلة المدى للأقصر. وتذكر سيرته أنه وضع خطة تنمية شاملة تمتد حتى عام 2030، وأن المرحلة الأولى تضمنت أكثر من 42 مشروعًا. وبعد ذلك أصبحت هذه التجربة مادة لكتاب مستقل حمل عنوان «سبع سنوات في طيبة.. تجربة محافظ»، وكأن طيبة القديمة قد أضافت فصلًا جديدًا إلى دفتر الرجل الذي ظل ينتقل بين صفحات مصر، من الحرب إلى الإدارة، ومن السلاح إلى الثقافة، ومن التاريخ إلى المستقبل.
ثم جاءت أحداث يناير 2011، لتفتح أمام مصر صفحة شديدة الحساسية، ويصبح سمير فرج عضوًا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى إدارة البلاد خلال تلك المرحلة الانتقالية. وكانت هذه محطة مختلفة في طبيعتها عن كل ما سبقها، لأنها وضعت خبرة الرجل العسكرية والمدنية داخل واحدة من أكثر اللحظات السياسية تعقيدًا في التاريخ المصري الحديث، حيث لم تعد الأسئلة تتعلق بإدارة مؤسسة أو مدينة، وإنما بإدارة مرحلة انتقالية لدولة كاملة.
وبعد ذلك امتدت تجربته إلى مجال الطاقة، فتولى، بحسب سيرته المنشورة، منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة NATEnergy، ليضيف إلى مساره فصلًا آخر بعيدًا عن الوظائف العسكرية والحكومية المباشرة. وهكذا لم تتوقف حياته المهنية عند حدود مؤسسة واحدة؛ فكل انتقال كان يفتح نافذة جديدة على الدولة، وكل موقع كان يضيف إلى خبرته زاوية أخرى في فهمها.
وفي موازاة كل هذه المناصب والتجارب، ظل القلم حاضرًا. لم تكن تجربة سمير فرج عسكرية فقط؛ فقد تحولت أجزاء واسعة من حياته إلى كتب ومقالات وشهادات. ومن أبرز الكتب المنشورة باسمه «وداعًا للسلاح.. سيرة محارب»، و«أوراق من حياتي»، و«أحداث ومواقف»، و«سبع سنوات في طيبة.. تجربة محافظ»، و«شاهد على حرب أكتوبر»، و«الاستراتيجية والأمن القومي وجهان لعملة واحدة»، و«شخصيات في حياتي». وإذا تأملنا هذه العناوين وجدنا أنها ترسم، في مجموعها، خريطة تجربته: السيرة الشخصية، ثم التاريخ العسكري، ثم الأمن القومي والاستراتيجية، ثم الإدارة المدنية، ثم الشخصيات التي تركت أثرًا في حياته.
وإلى جانب الكتب، ظهر اسمه لسنوات في الصحافة المصرية كاتبًا ومحللًا في القضايا العسكرية والاستراتيجية، وتذكر سيرته أن له أعمدة صحفية في الأهرام وأخبار اليوم. كما ظهر في مصادر صحفية وأكاديمية حديثة متحدثًا ومحاضرًا في موضوعات متعددة، من بينها الأمن القومي، والاستراتيجية العسكرية، وحرب أكتوبر، وحروب الجيل الرابع والخامس، والحرب النفسية، والإعلام وتأثيره في الأمن القومي، والتطورات الإقليمية والدولية.
وكان مفهوم حروب الجيل الرابع والخامس من القضايا التي تناولها في محاضراته الحديثة، ففي ندوة بجامعة عين شمس تحدث عن استخدام الشائعات وخفض الروح المعنوية والتأثير في ثقة المواطنين باعتبارها أدوات في أنماط الحرب الحديثة. وهنا تلتقي بدايات فكره بنهاياته؛ فالدكتوراه التي تناولت دور الإعلام في إعداد الدولة لتحقيق الأمن القومي لم تكن موضوعًا أكاديميًا معزولًا، وإنما ظلت متصلة برؤيته الأوسع للصراع، حيث أصبحت المعلومة، والصورة، والشائعة، والوعي، عناصر مؤثرة في قدرة الدولة على مواجهة التحديات.
ومن الملامح الأساسية في شخصيته المهنية علاقته بالتاريخ. فقد حصل على ليسانس التاريخ من جامعة عين شمس، ولذلك ظل يتعامل مع الأحداث العسكرية بوصفها حلقات في سياق أوسع، لا وقائع منفصلة. وتظهر هذه النزعة في كتاباته عن اليمن، وحرب 1967، وحرب الاستنزاف، وأكتوبر 1973، والأمن القومي، والتحولات الإقليمية، كما أن كتاب «شاهد على حرب أكتوبر» يمثل مساحة مباشرة لشهادته حول حرب 1973. فالتاريخ عنده ليس ماضيًا مغلقًا، وإنما ذاكرة تساعد الحاضر على فهم نفسه.
وفي سجل التكريمات، تذكر سيرته حصوله على وسام الجمهورية – الطبقة الثانية، ونوط الواجب العسكري – الطبقة الثانية، ونوط الخدمة الممتازة، وميدالية الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة، إلى جانب تكريمات ارتبطت بعمله في ملف أكتوبر وبجهوده في الأقصر، ومن بينها تكريمات من جهات أكاديمية ومؤسسات ثقافية. وفي عام 2023، وافق المجلس التنفيذي لمحافظة بورسعيد على إطلاق اسمه على أحد شوارع المدينة، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية، في إشارة إلى بقاء اسمه حاضرًا في المدينة التي بدأت منها حكايته.
وحين نبتعد قليلًا عن جدول المناصب والرتب والشهادات والأوسمة، وننظر إلى هذه السيرة باعتبارها نصًا إنسانيًا وتاريخيًا، تتكشف أمامنا شخصية عبرت مساحات شديدة التنوع من الحياة المصرية. كان مقاتلًا شارك في مراحل من التاريخ العسكري المصري الحديث، وضابط عمليات عمل في إحدى أهم مؤسسات التخطيط وإدارة العمليات، ومعلمًا عسكريًا درّس في المؤسسات العسكرية المصرية والبريطانية، ودبلوماسيًا عسكريًا عمل ملحقًا عسكريًا في تركيا، ومسؤولًا عن الإعلام والمعنويات العسكرية، ثم مسؤولًا مدنيًا انتقل إلى السياحة والثقافة والمحليات، ومحافظًا للأقصر قاد تجربة تنموية في مدينة ذات أهمية تاريخية وسياحية عالمية، وعضوًا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال مرحلة انتقالية، وكاتبًا ومؤرخًا عسكريًا حوّل جانبًا كبيرًا من تجربته إلى كتب وشهادات، ثم محللًا استراتيجيًا واصل الظهور في الإعلام والندوات للحديث عن الأمن القومي والقضايا الإقليمية والدولية.
لهذا لا يمكن اختزال سمير فرج في لقب واحد، ولا في معركة واحدة، ولا في منصب واحد. فالرجل الذي خرج من بورسعيد إلى الكلية الحربية، وعبر اليمن وحرب 1967 والاستنزاف وأكتوبر، ثم دخل مدارس الحرب في مصر وإنجلترا، وعمل في هيئة العمليات والبحوث العسكرية والتدريب والمخابرات الحربية والملحقية العسكرية والشؤون المعنوية، قبل أن ينتقل إلى السياحة والأوبرا والأقصر والمجلس الأعلى للقوات المسلحة والطاقة، ثم إلى الكتب والصحافة والتحليل الاستراتيجي، يبدو في نهاية المطاف كأنه عاش أكثر من حياة داخل حياة واحدة.
وربما هنا تكمن قيمة سيرته بالنسبة إلى الذاكرة المصرية؛ فهي لا تحكي فقط قصة ضابط وصل إلى رتبة اللواء أركان حرب، وإنما ترصد مسار إنسان تبدلت أمامه خرائط العمل، بينما ظل الوطن هو الخيط الذي يصل بين كل محطة وأخرى. من بورسعيد إلى اليمن، ومن سيناء إلى لندن، ومن غرف العمليات إلى دار الأوبرا، ومن طيبة القديمة إلى أسئلة الأمن القومي، ظلت مصر هي المشهد الأكبر الذي تتقاطع داخله التفاصيل.
سبعة عقود تقريبًا تبدو، في ظاهرها، زمنًا طويلًا، لكنها في سيرة كهذه تتحول إلى صفحات من دفتر مصر الحديث: حرب وسلام، جيش وتعليم، تاريخ وإعلام، ثقافة وإدارة، مدينة وآثار، دولة وأمن قومي. وفي كل صفحة ظل هناك أثر لجندي لم يغادر ذاكرته الميدان، حتى حين غادر الزي العسكري، وظل هناك عقل عسكري يبحث عن معنى أوسع للنصر، لا يقتصر على كسب معركة، وإنما يمتد إلى حماية الوعي، وصيانة الذاكرة، وبناء القدرة على قراءة المستقبل.
وهكذا، حين تُطوى صفحات السيرة، لا يبقى اسم سمير فرج مجرد اسم في قائمة مناصب أو رتبة عسكرية في سجل رسمي؛ يبقى شاهدًا على زمن طويل من التحولات المصرية، ورجلًا حمل معه من الميدان إلى الكتابة ذاكرة جيل، ومن غرفة العمليات إلى المنبر الثقافي سؤال الدولة، ومن تجربة الحرب إلى تجربة المدينة درسًا آخر في أن بناء الوطن لا يتم بالسلاح وحده، كما أن حمايته لا تبدأ وتنتهي عند الحدود، وإنما تبدأ أيضًا من الإنسان، ومن وعيه، ومن قدرته على أن يعرف تاريخه حتى لا يفقد طريقه إلى المستقبل.
فحين تتحول ذاكرة الجندي إلى كتاب، وتتحول التجربة إلى معرفة، ويتحول التاريخ إلى شهادة، يصبح الإنسان نفسه جزءًا من أرشيف وطن. وتلك، في جوهرها، هي الحكاية الأوسع في سيرة سمير فرج: حكاية رجل عبر ساحات متعددة، لكنه ظل، في كل انتقالاته، يحمل مصر في ذاكرته، ويقرأ حاضرها بعين من عاش بعض تاريخها، وينظر إلى مستقبلها بعين من أدرك أن الأمم لا يحرس حدودها الجنود وحدهم، بل تحرسها أيضًا الذاكرة، والمعرفة، والوعي.




تعليقات
إرسال تعليق