أصابع على زناد الموت سيرة البطل عاطف بيرو وهندسةُ العبور إلى الخلود
كتبت /منى منصور السيد
بين الموت والخلود مسافةٌ تُقاس بمليمترٍ واحد، يحسمها ثباتُ أصبعٍ لم يرتجف، ويقينُ قلبٍ حمل مصر بين ضلوعه وهو يطأ أرضاً تتنفس لهباً وتخفي في أحشائها الموت الغادر. لم تكن حرب أكتوبر المجيدة مجرد ملحمة عبورٍ للمانع المائي، بل كانت معركة هندسية معقدة خاضها رجالٌ واجهوا الموت بأيدٍ عارية وعزائم من حديد، ليفتحوا بوابات النصر أمام جحافل الحق. وفي قلب تلك العاصفة، كان الملازم أول عاطف سيد أحمد بيرو يكتب بدمه وعرقه وسنوات شبابه التسع، ملحمة الشجاعة التي لا يمحوها الزمن، متسلحاً إيماناً مطلقاً بأن كل لغمٍ يفككه هو روحٌ مصريّةٌ تُكتب لها الحياة.
في سلاح المهندسين العسكريين، حيث يغدو الخطأ الأول هو الخطأ الأخير، وقف البطل عاطف بيرو أمام أعتى الحصون الهندسية في التاريخ الحديث؛ خط برليف المنيع، بكل ما يحوطه من ميادين ألغامٍ صُممت لتبتلع الأجساد وتستنزف الأرواح. كانت مهمته أشق وأخطر ما عرفته العسكرية: أن يطأ الأرض البكر قبل الجميع، وأن يفكك ببراعة وصبرٍ خرافي صواعق الموت المدفونة تحت الرمال التهاباً، ليحيل خطط العدو إلى هباء، ويصنع من حقول الهلاك دروباً آمنةً للجيش الفاتح. سنواتٌ طوال قضاها هذا الملازم الشجاع بين صمت الصحراء وصفيح الموت، يمسح خط برليف شبراً شبراً، محولاً الخوف إلى شجاعة مسكوبة، ومقترباً من خطوة الشهادة كي يبتعد الوطن عن الخطر.
لم تكن أطياف الموت المتناثرة تحت الثرى سوى معركة صامتة يخوضها البطل عاطف بيرو بروح جسورة ورؤية نافذة؛ يفكك الغدر لغماً تلو لغم، ويشيد بأصابعه الجريئة جسور الثقة لمشاة مصر ودباباتها. تسع سنواتٍ من ارتداء البدلة العسكرية لم تكن مجرد أرقامٍ في رزنامة الزمن، بل كانت تسع سنوات من الفداء المتواصل، والرباط على خط النار، والتحدي الشامخ لإرادة المحتل، حفر بها اسمه في سجلات الخالدين كأحد مهندسي النصر الذين لم ينتظروا أضواء الإعلام، بل اختاروا العتمة وصمت الميدان ليصنعوا منها فجر العبور العظيم.
وحين استقرت رايات النصر فوق سيناء، وتجلت عظَمة الإنجاز، لم يكن من بدٍّ إلا أن ينحني الوطن إجلالاً لهؤلاء الأبطال المرابطين في الظل. فجاء تكريم البطل من قائد الحرب والسلام، الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بتقليده نوط الشجاعة من الطبقة الثانية في تكريم الجيش المصري لرجاله عام 1973، ليظل ذلك الوسام ليس فقط شهادة على شجاعة استثنائية في قلب المعركة، بل تاجاً يتوج هامة بطلٍ وهب زهرة شبابه لتظل مصر عزيزة كريمة، وتظل سيرته شاهدةً على أن النصر لا يصنعه السلاح وحده، بل تسبقه قلوبٌ من فولاذ وأصابعُ شجاعةٌ فككت الموت كي يمتد عمر الوطن.


تعليقات
إرسال تعليق